[آل عمران: 95] ، فالإسلام لا يحمل أهله على اتباع الأشخاص، ولو كانوا أنبياءً إلا لأجل أنهم يدينون لله تعالى بالإسلام عقيدةً ومنهجًا، ومن ثَمَّ كانوا هم الترجمةَ العملية للإسلام، ومن هنا كان الرسول صلى الله عليه وسلم مُتَّبِعًا ومُتَّبَعًا، ومن ثَمَّ اندمجت في شخصه الكريم النبوة والمنهج، فهو مُتبِع لملة الأنبياء من قبله وملة أبيه إبراهيم، وليس بِدْعًا من الرسل، قال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123] ، وكلهم يَدينون لله تعالى بدين الإسلام، وهو - كذلك - مُتبَع من أمته؛ لأنه هو التمثيل العملي لمنهج الإسلام، فعن سعد بن هشام قال: سألت عائشة، فقلت: أخبريني عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: (كان خلقُه القرآنَ) [1] .
فالمتبِع لمنهج الله هو الذي يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الشعراوي:
(وكأنه صلى الله عليه وسلم كان قرآنًا يمشي على الأرض، والمعنى [2] : كان تطبيقًا كاملًا للمنهج الذي جاء به من الحق تبارك وتعالى ... ، وطبيعة الأُسوة تقتضي أن يكون الرسول بشرًا، حتى إذا ما أمر كان هو أول المؤتَمِرين، وإذا ما نهى كان هو أول المنتهين) [3] .
الأمر الذي يتطلب مدارسة سيرته العطرة للتعرُّف على خُلُقه في تطبيق القرآن، وفهمه للدين، وتحرُّكه به، وهو الأمر الذي يُحِيلنا إلى فهم منهجه في مكة، وصبره على أذى المشركين فيها حتى هاجر منها، وجهاده في المدينة حتى عاد إلى مكة فاتحًا لها، ثم رجوعه للمدينة حتى لقاء ربه وقد استخلف أسامة بن زيد على سريَّة لم تخرج إلا بعد وفاته، لتستكمل الأمة منهجه عملًا، وقد اكتمل المنهج وحيًا ونصًّا بلا تبديل ولا تحريف، وكذلك كان الصحابة على منهجه بلا تحريف أو تبديل.
فإذا كان منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التدين لربه هو التضحية بنفسه وماله وأهله في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله، فإن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي التزام منهجه، والرباط على نية الجهاد في سبيل الله، والذي يتبع النبي صلى الله عليه وسلم، ويقتدي به، ويتأسى بسنته، هو فحسب الذي يحظى بحب الله ومعيَّته سبحانه ومغفرته ورحمته، وهو الذي يتذوق حلاوة الإيمان، التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: (( ثلاثٌ مَن كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله،
(1) رواه أحمد في مسنده ج 6 ص 163 رقم 25341، وصححه الألباني: الجامع الصغير ج 1 ص 895 رقم 8942.
(2) احترازًا من الفهم المغلوط بأن القرآن مخلوق، وإنما هو كلام الله تعالى وليس بمخلوق.
(3) تفسير الشعراوي ج 1 ص 4910.