قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 5، 6] .
يقتضي توحيد الاعتقاد إثبات العلم المطلق لله، والإقرار له بالقدرة المطلقة، ففي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} ، إقرارٌ بالعلم المطلق لله، وليس ذلك فحسب، بل إنه كذلك الذي يصور ما في الأرحام كيف يشاء، إذًا فهو صاحب القدرة المطلقة كذلك.
يقول ابن تيمية: (ومن أعظم الأصول معرفةُ الإنسان بما نعت الله به نفسه منه الصفات الفعلية) ، الأمر الذي يدحض شبهةَ أهل الكتاب في شأن عيسى ابن مريم، دون حاجة للاستطراد بعد ذلك في سائر شبهاتهم؛ إذ كيف كان عيسى عليه السلام لا يعلم شيئًا وهو محبوس في بطن أمه في الظلمات الثلاث التي حالت بينه وبين الاتصال بالعالَم الخارجي، ثم بعد ذلك يُدَّعَى له الألوهية من دون الله، فإذا خفِي عليه ذلك، فلا يسوغ أن يكون مستحقًّا لأن يُعبَد، وقد مضت عليه فترةٌ من الزمن لا يعلم فيها شيئًا.
{هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} [آل عمران: 6] .
قال ابن الجوزي:
(فيه ردٌّ على النصارى؛ لأن عيسى لا يقدِرُ على التصوير، بل كان مصوَّرًا كسائر بني آدم) [1] .
وعن سعيد بن جبير قال: (هذا حِجاجٌ على مَن زعم أن عيسى كان ربًّا، كأنه نبَّه بكونه مصوَّرًا في الرحم، على أنه عبدٌ كغيره، وكان يخفى عليه ما لا يخفى على الله) [2] .
من هنا عرضت المقدِّمة بأسلوب بليغ وسريع، وردَّت على أكبر شبهات النصارى في أصول الاعتقاد، لذلك جاء في ختام الآية قوله تعالى: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 6] .
(1) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي، ج 1 ص 159.
(2) الزمخشري؛ ج 1 ص 254.