قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10] .
أما مَن يعيش مسلمًا بين المسلمين، فلا يجوز اختباره ما لم تظهر منه بدعة، إذًا المعيار الظاهر المنضبط لا بد وأن يكون الشارعُ الحكيم قد كشف عنه، وبالاستقراء يتبين أنه ظاهر في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( والذي نفسي بيده، لقد هممتُ أن آمُرَ بحطبٍ يحتطب، ثم آمر بالصلاة فيُؤذَّن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأُحرِّق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدكم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتينِ حسنتينِ لشهِد العشاء ) ) [1] .
والمعنى المراد الإشارة إليه من الحديث هو التزام الجماعة في الصلوات الخمس، فهو من أهم الأوصاف الظاهرة المنضبطة على الاعتصام بحبل الله تعالى في أوقات السلم، والعكس كذلك صحيح؛ حيث إن عدم التزام جماعة المسلمين في الصلوات هو أول طريق لمفارقة المسلمين، ومن ثَمَّ الخوض في طريق الشيطان، لقوله صلى الله عليه وسلم: (( ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئبُ القاصيةَ ) ) [2] .
قال زائدة: قال السائب: يعني بالجماعة الصلاة في الجماعة.
وهو ما يؤكده قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ ) )، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (( إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط ) ) [3] .
فإذا أضيف إلى التزام جماعة المسلمين في أحد فروضُ الكفاية؛ كالتزام أهل العلم الراسخين فيه، وحضور مجالسهم، وكذا التزام أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة في سبيل الله - تأكَّد الاعتصام بالله تعالى.
هذا بالنسبة للأفراد والمجتمعات الإسلامية.
أما على مستوى الحكومات الإسلامية، فإن الدكتور سفر الحوالي يقول:
(يجب علينا أن نزيل كل أسباب الفُرْقة، ومنهج الكتاب والسنة أوضح وأجلى وأوسع المناهج، فهو يحتمل تعدُّد الاجتهادات، وتعدد الأحوال والبيئات، ففي بلد تكون الدعوة جهادًا بالسيف، وفي بلد تكون جهادًا بالدعوة،
(1) رواه البخاري ج 22 ص 172 رقم 6683.
(2) رواه أبو داود ج 2 ص 151 رقم 460 وصححه الألباني: صحيح أبي داود ج 2 ص 58 رقم 556.
(3) رواه مسلم ج 2 ص 57 رقم 369.