فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 181

الاستخفاف بشأنه وثيابه. فقال: ويحكم إنما انظر إلى الرأي والكلام والسيرة والعرب تستخف اللّباس وتصون الأحساب.

ثم أرسل إلى سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه - قائد المسلمين العظيم: أن ابعث إلينا ذلك الرجل، فبعث إليهم حذيفة بن محصن رضى الله عنه - ففعل كما فعل الأول (أى مثل ربعى) ولم ينزل عن فرسه، وتكلم وأجاب مثل الأول ... وبعث في الغد عن آخر فجاءه المغيرة بن شعبة - رضى الله عنه - فلمّا وصل إليهم وهم على زيهم وبسطهم على أبهى أبهةٍ من مجلس رستم؛ فجاء المغيرة حتى جلس معه على سريره فأنزلوه، فقال: لا أرى قوما أسفه منكم، إنا معشر العرب لا نستعبد بعضا بعضا؛ فظننتكم كذلك، وكان أحسن بكم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض؛ مع أني لم آتكم وإنما دعوتموني .. فقد علمت أنكم مغلوبون، ولم يقم ملك على هذه السيرة.

فقالت السفلة (أى العبيد والضعفاء) : صدق والله العربيّ، وقالت الأساطين (أى الكبراء) : لقد رمانا بكلام لا تزال عبيدنا ينزعون إليه (أى ان كلامه هيج في نفوس الضعفاء والعبيد نزعة الحرية واحترام الإنسانية الذي جاء به الإسلام، فتنبه) .. ثم تكلم رستم فعظّم من شأن فارس وسلطانهم، وصغّر أمر العرب وقال: كانت عيشتكم سيئة، وكنتم تقصدونا في الجدب فنردّكم بشيء من التمر والشعير، ولم يحملكم على ما صنعتم إلا ما بكم من الجهد (أى لم يحرككم لحربنا إلا الفقر والطمع فيما عندنا) ، ونحن نعطي أميركم كسوة وبغلا وألف درهم، وكل رجل منكم حمل تمر، وتنصرفون؛ فلست أشتهي قتلكم.

فتكلم المغيرة بن شعبة - رضى الله عنه - وخطب فقال: أما الّذي وصفتنا به من سوء الحال والضيق والاختلاف فنعرفه؛ ولا ننكره، والدنيا دول، والشدة بعدها الرخاء .. ولو شكرتم الله الذي آتاكم لكان شكركم قليلا عما أوتيتم. وقد أسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال. وإن الله بعث فينا رسولا، ثم ذكر مثل ما تقدّم إلى التخيير بين الإسلام أو الجزية أو القتال.

فقال رستم: إذا تموتون دونها، فقال المغيرة: يدخل من قتل منا الجنة ويظفر من بقي منا بكم. فاستشاط غضبا وحلف أن لا يقع الصلح أبدا حتى أقتلكم أجمعين. وانصرف المغيرة وخلا رستم بأهل فارس وعرض عليهم مصالحة القوم، وحذّرهم عاقبة حربهم، فلجّوا. وبعث إليه سعد- رضى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت