قال ابن كثير بعد ذكره تفسير الآية:"فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37 النور) "... فَقَوْلُهُ: {رِجَال} فِيهِ إِشْعَارٌ بِهِمَمِهِمُ السَّامِيَةِ، وَنِيَّاتِهِمْ وَعَزَائِمِهِمُ الْعَالِيَةِ، الَّتِي بِهَا صَارُوا عُمَّارا لِلْمَسَاجِدِ، الَّتِي هِيَ بُيُوتُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَمَوَاطِنُ عِبَادَتِهِ وَشُكْرِهِ، وَتَوْحِيدِهِ وَتَنْزِيهِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} (الْأَحْزَابِ: 23) . ا. ه.
وهنا لابد من صناعة الرجولة ..
إنها الصناعة المقدسة والفريدة في الإسلام ..
تلك الصناعة الربانية في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم تعنى أكثر ما تعنى بصناعة الرجال الذين يحملون المنهج غضا قويا على أكتافهم إلى سائر أصقاع الأرض ..
إنه التفتيش عن الأبطال بين ركامٍ هائلٍ من تدني الأخلاق، وتدنس النفوس، وخور العزائم ..
وإنني لأذكر الحديث الذي رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ، لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً» [1] ..
ولكن الإسلام دائما ما يراهن - وفي أحلك الظروف- على إخراج النجائب من الرواحل والتي تستطيع أن تبلغ بالرسالة ما شاء الله لها أن تبلغ وإن قلَّت ..
(1) (كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة) في النهاية: المعنى أن المرضي المنتجب من الناس في عزة وجوده كالنجيب من الإبل القوى على الأحمال والأسفار الذي لا يوجد في كثير من الإبل. يقع لفظ الراحلة على الذكر والأنثى. والهاء للمبالغة.]