فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 181

باب تداعي الأمم على الإسلام، يعني: على أهل الإسلام، والمقصود من ذلك أن الكفار يتداعون على المسلمين، ويكون لهم القوة والغلبة، ويكون المسلمون معهم كالطعام الذي يتداعى عليه الأكلة من كل جانب.

قال الطيبي: وَالْمَعْنَى: كَمَا يَدْعُو أَكَلَةُ الطَّعَامِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا (إِلَى قَصْعَتِهَا) أَيِ: الَّتِي يَتَنَاوَلُونَ مِنْهَا بِلَا مَانِعٍ وَلَا مُنَازِعٍ، فَيَأْكُلُونَهَا عَفْوًا صَفْوًا، كَذَلِكَ يَأْخُذُونَ مَا فِي أَيْدِيكُمْ بِلَا تَعَبٍ يَنَالُهُمْ، أَوْ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُمْ، أَوْ بَأْسٍ يَمْنَعُهُمْ. ("كَغُثَاءِ السَّيْلِ") : هو مَا يَحْمِلُهُ السَّيْلُ مِنْ زَبَدٍ وَوَسَخٍ، شَبَّهَهُمْ بِهِ لِقِلَّةِ شَجَاعَتِهِمْ، وَدَنَاءَةِ قَدْرِهِمْ، وَخِفَّةِ أَحْلَامِهِمْ، وَخُلَاصَتُهُ: وَلَكِنَّكُمْ تَكُونُونَ مُتَفَرِّقِينَ، ضَعِيفِي الْحَالِ، خَفِيفِي الْبَالِ، مُشَتَّتِي الْآمَالِ.

قوله: (قال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟) يعني: هل يتداعون علينا لقلتنا؟ (قال لا، أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل) يعني: هذه الكثرة لا قيمة لها والسبب في ذلك هو عدم القيام بما أوجب الله عز وجل على المسلمين من إظهار الدين، فتتغلب عليهم الأعداء، ويصيب المسلمين من أعدائهم الذل بعد أن كان الكفار يهابون المسلمين، وهذا الحديث منطبق تمامًا على هذا الزمان، والمسلمون اليوم عددهم كثير جدًا، ولكنهم مشتغلون بالدنيا، وحريصون على الدنيا، وخائفون من الموت، فصاروا يخافون من أعدائهم، وأعداؤهم لا يخافون منهم.

إن الطبيب الحاذق يعالج الداء بدءا من أسبابه ودواعيه قبل أن ينظر في أعراضه ونواحيه ..

ومحمد صلى الله عليه وسلم طبيب ربانى يصف الداء ويشخصه ويحدد أسبابه والعوامل المساعدة عليه ثم يرسم الطريق محددا للخروج من سكرات الضعف ويصف الدواء على أفضل ما يكون ..

روى الطبراني في الكبير - بسند حسن- عن ابن عباس رضى الله عنه [1] - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس بخمس: ما نقض قوم العهد إلا سلط عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما

(1) وهو في صحيح الجامع للألباني (3240) ، وكذا صحيح الترغيب (763) ..

وقد ذكر صاحب (البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف 2/ 38) في الحديث قصة يذكر فيها لفظه بتمامه فقال:

سَببه كَمَا فِي الْجَامِع الْكَبِير عَن عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ كنت جَالِسا مَعَ ابْن عمر فَأَتَاهُ رجل من أهل الْعرَاق فَسَأَلَهُ عَن إرْسَال الْعِمَامَة خَلفه فَقَالَ لَهُ ابْن عمر سأنبئك عَنهُ بِعلم إِن شَاءَ الله تَعَالَى كنت مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَاشر عشرَة رَهْط فِي مَسْجده فيهم أَبُو بكر الصّديق وَعمر بن الْخطاب وَعلي وَعُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَابْن جبل وَابْن مَسْعُود وَأَبُو مَسْعُود وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَابْن عمر رَضِي الله عَنْهُم فَجَاءَهُ رجل من الْأَنْصَار فَسلم على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ قَالَ: يَا رَسُول الله أَي الْمُؤمنِينَ أفضل؟ قَالَ: أحْسنهم خلقا.

قَالَ: فَأَي الْمُؤمنِينَ أَكيس؟ قَالَ: أَكْثَرهم للْمَوْت ذكرا وَأَحْسَنهمْ لَهُ اسْتِعْدَادًا أُولَئِكَ هم الأكياس ..

ثمَّ أمسك الْفَتى، وَأَقْبل علينا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: يَا معشر الْمُهَاجِرين خِصَال خمس، وَأَعُوذ بِاللَّه أَن تدركوهن: لَا تظهر الْفَاحِشَة فِي قوم قطّ حَتَّى يعلنوا بهَا إِلَّا فَشَا فيهم الطَّاعُون والأوجاع الَّتِي لم تكن مَضَت فِي أسلافهم الَّذين مضوا، وَلَا ينقصوا الْمِكْيَال وَالْمِيزَان إِلَّا أخذُوا بِالسِّنِينَ وَشدَّة المؤونة وجور السُّلْطَان عَلَيْهِم، وَلم يمنعوا زَكَاة أَمْوَالهم إِلَّا منعُوا الْقطر من السَّمَاء وَلَوْلَا الْبَهَائِم لم يمطروا، وَلم ينقضوا عهد الله وعهد رَسُوله إِلَّا سلط الله عَلَيْهِم عدوهم من غَيرهم فَأخذُوا بعض مَا كَانَ فِي أَيْديهم، وَلم تحكم أئمتهم بِغَيْر كتاب الله وَبَحَثُوا فِيمَا أنزل الله إِلَّا جعل الله بأسهم بَينهم".."

ثمَّ أَمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ابْن عَوْف أَن يتجهز لسرية يبعثها؛ فَأصْبح وَقد اعتم بعمامة من كرابيس سَوْدَاء، فأدناه إِلَيْهِ ثمَّ نقضهَا فعممه بِيَدِهِ وَأرْسل الْعِمَامَة خَلفه أَربع أَصَابِع أَو نَحْو ذَلِك فَقَالَ: هَكَذَا يَا ابْن عَوْف فاعتم فَإِنَّهُ أعرف وَأحسن.) ا. ه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت