فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 181

إئذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النَّمارِق فخرِق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضِيق الدنيا إلى سعَتَها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإِسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه؛ فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدًا حتى نفضيَ إلى موعود الله، قالوا: وما موعودُ الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي. فقال رستم: لقد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟ قال: نعم، كم أحبُّ إليكم؟ يومًا أو يومين، قال: لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا. فقال: ما سنَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخِّر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل. فقال: أسيِّدهم أنت؟ قال: لا، ولكن المسلمون كالجسد الواحد يُجير أدناهم على أعلاهم. فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال: هل رأيتم قط أعزَّ وأرجح من كلام هذا الرجل؟ فقالوا: معاذ الله أن تميل إِلى شيء من هذا وتدع دينك إلى هذا الكلب أما ترى إلى ثيابه؟ فقال: ويلَكم لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة، إن العرب يستخفُّون بالثياب والمأكل ويصونون الأحساب.) [1] ا. ه.

هذه معركة أخرى انتصر فيها الإسلام يوم كان له رجال يعرفون قدره .. ويعرفون كيف يدافعون عنه وينشرونه .. ولنا هنا وقفات: - الأولى: إن هذه الأشجار الشامخة التي غرسها الإسلام وسقاها وهذب أطرافها رسول الله صلى الله عليه وسلم لهى تسقى ماء واحد وتتسق في جذورها وثمارها .. ألا يروعنا أنها ذات الكلمات يرددها عبادة بن الصامت - من قبل - والمغيرة وربعى بن عامر عن رسالتهم ومهمتهم السامية في الحياة .. لكأنى بهم وقد تلاشت أنفسهم في ذات هذا الدين .. يجرى فيهم مجرى الروح .. يعتزون به ويعتز بهم .."إنا ليس طلبنا الدنيا، وإِنما همنا وطلبنا الآخرة".. هكذا كانوا وهكذا انتصروا .. ومن هنا كانت عزة (رِبعى) وهو يهدد ويتوعد أعتى أمم وجيوش الأرض .. إن الإسلام - وهو فقط -من جرَّأ أمة الغنم والصحراء والتشتت على غزو فارس والروم، بل وتعليمها المعنى الأرِقى للحضارة والمدنية .."إني لم آتِكم وإِنّما جئتكم حين دعوتموني، فإنما تركتموني هكذا وإِلا رجعت.".. يقول المسلمون لأمم تعثر بها ركاب الإنسانية، وفقدت

(1) 99 من حياة الصحابة للكاندهلوى، ج 1\ص 259، ط. الرسالة الأولى 1999.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت