والتقلع - كما قال ابن القيم: الارتفاع من الأرض بجملته كحال المنحط من الصبب، وهي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة، وهي أعدل المشيات، من مشية الهوج والمهانة والتماوت، فإن الماشي إما أن يتماوت في مشيه ويمشي قطعة واحدة كأنه خشبة محمولة، وهي مشية مذمومة قبيحة، وإما أن يمشي بانزعاج واضطراب مشي الجمل الأهوج، وهي مشية مذمومة أيضًا، وهي دالة على خفة عقل صاحبها، ولا سيما إن كان يكثر الالتفات حال مشيه يمينًا وشمالًا، وإما أن يمشي كما وصفهم بها في كتابه فقال:"وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا"من غير تكبر ولا تماوت، وهي مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه مع هذه المشية كان كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تُطوى له حتى كان الماشي معه يجهد نفسه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم غير مكترث، وهذا يدل على أمرين: أن مشيته لم تكن مشية تماوت ولا مهانة، بل مشية أعدل المشيات. زاد المعاد، 1/ 160. ولقد كانت مشية الرسول صلى الله
عليه وسلم أحسن المشيات وأجملها، فالمشيات -كما يقول ابن القيم - عشرة أنواع: التكفؤ والهون والتقلع، والرابع السعي، والخامس الرمل؛ وهو أسرع المشي مع تقارب الخطى ويسمى"الخبب"، وفي الصحيح من حديث ابن عمر أن عليه وسلم خبَّ في طوافه ثلاثًا ومشى أربعًا. وهو العدو الخفيف ولا يكرثه. وفي بعض المسانيد أن المشاة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشي في حجة الوداع، فقال:"استعينوا بالنسلان". والسابع الخوزلى؛ وهي مشية التمايل، وهي مشية يقال إن فيها تكسرًا وتخنثًا. والثامن القهقرى؛ وهي المشية إلى وراء. والتاسع الجمزى؛ وهي
مشية يثب فيها الماشي وثبًا. والعاشر مشية التبختر، وهي مشية أولي العجب والتكبر، وهي التي خسف الله سبحانه بصاحبها لما نظر في عطفيه وأعجبته نفسه، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة. وأعدل هذه المشيات مشية الهون والتكفؤ. المرجع صلى الله عليه وسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزهد الناس في من الدنيا بالقليل فكانت عيشته كفافًا، ولقد كان يمر على أهل بيته الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة متتابعات ولا يوقد في بيته نار! فكان يجوع يومًا ويشبع يومًا على التمر والماء! وقد انتقل إلى الرفيق الأعلى ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله، وكان يقول:"اللهم اجعل"
رزق آل محمد قوتًا". أي ما يسد الجوع. متفق عليه. وليس ذلك الله عن ذلك، فما ينبغي له عز وجل أن يترك عبدًا له صالحًا يحاصره الجوع وقلة ذات اليد، فضلًا عن أن يكون هذا العبد نبيًّا مرسلًا من عنده تعالى، ولو شاء الله عز وجل لجعل لنبيه أمثال الجبال ذهبًا وفضة، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم رضي بعيشته زاهدًا في الدنيا وزخارفها، فهو ليس من الملوك الذين يرفلون في الثياب"