يزعم هؤلاء الببغاوات أن في السنَّة أحاديث كثيرة تخالف العقل، والدين الإسلامي مبني على العقل، ولا يمكن أن يكون شيء في الدين يخالف العقل، فما يقبله العقل فهو من الدين، وما يرفضه العقل فليس من الدين، واستدلوا على ذلك ببعض الأحاديث التي ظنوا - حسب عقلهم القاصر السقيم - أنها تخالف العقل، مِن ذلك على سبيل المثال حديث (الذبابة، وحديث الكلب، وحديث رضاع الكبير) ، وغيرها من الأحاديث.
الجواب:
هذه الشبهة أتفَهُ وأقل من أن تضيع الأوقات في الرد عليها، لكن حتى لا ينطلي الكلام على عوام المسلمين نحن مضطرون للجواب عنها؛ حتى يتبين الحق إن شاء الله تعالى، لكن في البداية أحب أن أقول: إن هذه الشبهة ليس الهدف منها إنكار حديث الذبابة، أو حديث رضاع الكبير، بل إن الهدف الذي يظهر من بين السطور هو تكذيبهم لمعجزات النبي الحسية، وإنكارهم لها، حتى أنكر قائلهم معجزة انشقاق القمر، ومعجزة المعراج، ولو استطاع لأنكر معجزة الإسراء أيضًا، لكنه لم يجرؤ على ذلك.
أما بالنسبة للجواب عن شبهتم التافهة هذه فأقول: سأسلم جدلًا أن الحديث إذا خالف العقل يرد، فالسؤال من الذي يحكم أن هذا الحديث خالف العقل أم لا؟ عقل من سيكون الحكَم؛ فعقل البخاري يقبل هذه الأحاديث، ولا يرى فيها إشكالًا، وليس عقله وحده؛ حتى لا يتهموه في عقله، بل عقول ملايين المسلمين، لا يرون إشكالًا في هذه الأحاديث، أما عقولهم فلأنها لم تفهم هذه الأحاديث أنكرتها، فما الضابط لهذه المسألة؟ هل عقلك يحكم على عقلي وعقل الملايين أم عقلي يحكم على عقلك؟ أم سنحتاج إلى عقل ثالث يحكم بيننا؟!
كذلك أقول أيضًا: أنتم تردون الأحاديث لأنها تخالف العقل، فالسؤال: هل العقل يستطيع أن يحكم على الخبر بالصحة أو البطلان، بالقبول أو الرد؟ ما هو معيار الحكم على الأخبار عندكم؟ هل كل خبر وافق العقل نقبله، وهل كل خبر خالف العقل نرده؟ إذا استطعنا الإجابة على هذا السؤال ذهب الإشكال، وأصبح الحق واضحًا جليًّا.
كيف نحكم على الخبر بالصحة أو غيرها؟
الخبر مقابل الإنشاء، والإنشاء ما لا يحتمل الصدق والكذب مثل الأمر والنهي.
والخبر هو: ما يحتمل الصدق والكذب؛ فالخبر كلام ينقل إليك عن طريق أحد، وهذا الكلام إما أن يكون صحيحًا صادقًا، أو يكون باطلًا كاذبًا.
فكيف نحكم إذًا على الخبر الذي ينقل إلينا إن كان صحيحًا أو كاذبًا؟