فلا يصح أن يأتي أحد ويقول: إن البخاري قال: إن النَّبي صلى الله عليه وسلم حاول الانتحار، ويشنع على البخاري، لكن نقول: نقل البخاري عن الزهري قوله كذا، وأخطأ الزهري في كلامه.
مثلًا البخاري قال: ويذكر عن أبي هريرة (لا يتطوع الإمام في مكانه) ، ثم قال البخاري: ولا يصح، فلا يأتي أحد ويقول: إن البخاري ذكر حديثًا أن الإمام لا يتطوع في مكانه، وينقله على أنه حديث، ثم يشن هجومًا على البخاري.
البخاري نقل عن السيدة عائشة إنكارها لمسألة عذاب المسلمين في قبورهم، وقالت: إن هذا خاص باليهود، فلا يأتي أحد ليقول: إن البخاري فيه تعارض؛ فتارة يذكر عذاب القبر، وتارة يَنفيه؛ لأن البخاري ذكر رأي عاشة، وذكر الأحاديث التي تعارض قولها.
فالنتيجة إذًا أن البخاري ناقل للأخبار عن أصحابها، يثبت صحة نسبتها إليهم، فإن كانت حديثًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد صحت النسبة إليه، وصح الكلام.
وإن كان غير رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل، فقد صحت نسبة القول إلى قائله، سواء صح القول أم لا.
إذًا نصل إلى أن البخاري ليس معصومًا، وكذلك ليس فيه حديث ضعيف أو خطأ، لماذا؟ أختصر الأسباب فأقول:
1)أن البخاري إمام جليل القدر، عظيم الشأن، أعلم المسلمين بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اختار أحاديثه بعناية فائقة، وحرص شديد.
2)لأن علماء الحديث لم يتلقوا الأحاديث من البخاري وقالوا: سمعنا وأطعنا، بل بحثوا في هذه الآحاديث، ودرسوها بعناية فائقة، وعرضوها على المنهج العلمي الصحيح في اختيار الأحاديث، فانبهروا بهذا الكتاب، وأخذت قلوبَهم روعةُ الأسلوب، وعظمة البخاري، ودقته في اختيار الأحاديث، فشهدوا له بصحة اختياره.
3)لأن الأمة بعد العلماء أجمعت على صحة كتاب البخاري، والأمة ليست أمة غبية حتى تجتمع على باطل.
4)لأن البخاري لم ينفرد برواية هذه الأحاديث، بل شاركه في إخراجها كبار علماء الإسلام، ولو حذفت الأحاديث من البخاري أو فُقِدَ الكتاب أصلًا، فستظل الأحاديث موجودة بحفظ الله لها.
وفي الختام أقول: إذا جاءك حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاسأل أهل العلم، هل صح الحديث أم لا؟ فإن قالوا: صح الحديث، فاسأل عن معناه، واتَّهِم نفسك بعدم فهم الحديث حتى يتبين لك معناه؛ قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] .