فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 156

فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ بأصبعه إلى فيه،"أي: أشار النَّبي صلى الله عليه وسلم بأصبعه إلى فمه"، وقال: (( اكتب؛ فوالذي نفسي بيده، ما يخرج منه إلا الحق ) ) [1] .

هذا، وصحيفة عبدالله بن عمرو هذه تسمى الصحيفة (الصادقة) ، وكانت هناك صحيفة أخرى لجابر بن عبدالله، وكان عروة بن الزبير يكتب ما يسمعه من عائشة رضي الله عنها وما يسمع من غيرها، فعلمت بذلك، فقالت: لا بأس بذلك.

وكان بشير بن نهيك يكتب ما يسمعه من أبي هريرة ثم يعرضه عليه، وقال: هذا ما سمعته منك، فنظر فيه أبو هريرة، ثم قال: نعم، وكان البراء بن عازب رضي الله عنه نفسه يحدث وحوله من يكتب.

وما هذا إلا قليل من كثير ممن أجاز كتابة الحديث من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: (الجواب الصحيح أن النهي - أي عن الكتابة - منسوخ بأحاديث أخرى دلت على الإباحة) ، ثم ساق مجموعة من الأحاديث، ذكرنا بعضها آنفًا، مما يدل على جواز الكتابة، ثم قال: وهذه الأحاديث مع استقرار العمل بين أكثر الصحابة والتابعين واتفاق الأمة بعد ذلك على جوازها، كل ذلك يدل على أن حديث أبي سعيد: (لا تكتبوا عني) منسوخ، وأنه كان في أول الأمر حين خِيفَ اشتغالهم عن القرآن، وحين خيف اختلاط غير القرآن بالقرآن [2] .

ومن أراد المزيد من الأدلة على وجود الكتابة في عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، فليرجِعْ إلى كتاب جامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر، وكتاب التقييد والإيضاح للخطيب البغدادي.

وقال ابن الصلاح: (ثم إنه زال الخلاف وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدَرَسَ - أي لذهب - في الأعصر الآخرة) [3] .

كل ذلك يدل على أن السنَّة النَّبويَّة كانت مكتوبة ومحفوظة بأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم وفعل الصحابة، ولكن الصحابة تفرقوا في البلاد شرقًا وغربًا يعلمون الناس أمور دينهم ويفتحون البلاد.

فلما جاء عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه أراد جمع السنَّة كلها وحفظها كما جمع القرآن الكريم، وليس هذا معناه أنه أول من أمر بكتابة السنَّة، وإنما دعا إلى جمع السنَّة، وأمر بذلك محمد بن شهاب الزهري، وكتب إلى أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم بذلك فقال: (انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبوه؛ فإني خِفْتُ دُروسَ العلم وذهابَ أهله) ، وكان يرسل بذلك إلى الآفاق، في كل بلاد

(1) أبو داود كتاب العلم، باب في كتاب العلم (3646) 3/ 1578.

(2) الباعث الحثيث للعلامة أحمد شاكر صـ 110، ط مكتبة دار التراث 1423 هـ.

(3) الباعث الحثيث صـ 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت