فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 160

فانطلقنا، فأتينا على روضة معتمة [1] ، فيها من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولًا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط، قال: قلت لهما: ما هذا؟ ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق.

فانطلقنا، فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أرَ روضة قط أعظم منها ولا أحسن، قال: قالا لي: ارقَ، فارتقيت فيها، قال: فارتقينا فيها، فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا، ففتح لنا، فدخلناها، فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راءٍ، وشطر كأقبح ما أنت راءٍ، قال: قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، قال: وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض [2] في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة.

قال: قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك، قال: فسما [3] بصري صعدًا [4] فإذا قصر مثل الربابة البيضاء [5] ، قال: قالا لي: هذاك منزلك، قال: قلت لهما: بارك الله فيكما، ذراني فأدخله، قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله، قال: قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجبًا، فما هذا الذي رأيت؟ قال: قالا لي: أما إنا سنخبرك: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ بالقرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة، وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور، فهم الزناة والزواني، وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجر، فإنه آكل الربا، وأما الرجل الكريه المَرْآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها، فإنه مالك خازن جهنم، وأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإنه إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وأما الوِلدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة )) ، قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله:

(1) أي: غطاها الخصب، والمقصود كثرة نبتها.

(2) الخالص، والمراد خالص البياض.

(3) نظر إلى فوق.

(4) صاعدًا في ارتفاع.

(5) السحابة البيضاء المنفردة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت