والذي عليه أهل السنة إثبات مشيئة الله النافذة، وأن للعباد قدرة على أعمالهم، ولهم مشيئة، والله خالقهم وخالق قدرتهم ومشيئتهم، وهو الذي منحهم إياها، وأقدرهم عليها، وجعلها قائمة بهم، مضافة إليهم حقيقة، وعلى ذلك كلفوا، وعليه يثابون ويعاقبون، ولم يكلفهم الله إلا وسعهم، ولم يحمِّلْهم إلا طاقتهم: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان: 30] .
قال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] ، وقال تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} [النجم: 43] ، والإضحاكُ والإبكاءُ فعلانِ اختياريان؛ فهو سبحانه المُضحِك المُبكِي للعبد.
وهذا أمر متفق عليه في الكتب الإلهية، وفي الفِطَر والعقول والاعتبار، ولم يخالف في ذلك إلا القدرية مجوس هذه الأمة؛ حيث أخرجوا طاعات الملائكة والأنبياء والرسل والمؤمنين عن ربوبيته ومشيئته، وجعلوهم هم الخالقين لها، وأنها بمشيئتهم لا بمشيئته، وبقدرتهم لا بقدرته؛ تعالى الله عما يقولونه علوًّا كبيرًا!
قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] ، وقال تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} [القمر: 52] .
قال الشيخ حافظ حكمي رحمه الله: (فكما لم يُوجِدِ العبادُ أنفسَهم لم يُوجِدوا أفعالهم؛ فقدرتهم وإرادتهم ومشيئتهم وأفعالهم تَبَعٌ لقدرة الله سبحانه وإرادته ومشيئته وأفعاله؛ إذ هو تعالى خالقهم وخالق قدرتهم ومشيئتهم وإرادتهم وأفعالهم، وليس مشيئتهم وإرادتهم وقدرتهم وأفعالهم هي عين مشيئة الله تعالى وإرادته وقدرته وفعله ... فالله تعالى هادٍ حقيقةً، والعبد مهتدٍ حقيقة؛ ولهذا أضاف تعالى كلًّا من الفعلين إلى من قام به، فقال: {وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ} [الإسراء: 97] ؛ فإضافة الهداية إليه تعالى حقيقة، وإضافة الاهتداء إلى العبد حقيقة ... وكذلك يضل الله تعالى من يشاء حقيقة، وذلك العبد يكون ضالًّا حقيقة، وهو سبحانه خالق المؤمن وإيمانه، والكافر وكفره؛ كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ}