ومن رأى ذلك لا يلزم أن يكون مؤرخًا حتى يكتب ذلك، وإن تكلم به فما أسهل تكذيبه، إذ ذلك مستبعد عند الناس جدًا، وإخبار بعض العوام لا يكون معتبرًا عند المؤرخين في الوقائع العظيمة، وربما كتب ذلك بعض المؤرخين ولم يصل إلينا كتابه، فلا يلزم من عدم النقل العدم، ومن أثبت حجة على من لم يثبت.
ثم إن عند أهل الكتاب حادثة عظيمة يثبتونها مع عدم ذكر الأمم لها، وهي حادثة وقوف الشمس ليوشع كما في كتاب يوشع (10/ 12 - 13) ، وكانت على زعم النصارى قبل ميلاد المسيح بألف وأربعمائة وخمسين سنة، فاحتباس الشمس ظاهر للناس ومع هذا ليست مكتوبة في تواريخ أهل الهند ولا أهل الصين ولا أهل فارس، مع أن في كتاب يوشع أنها وقفت في كبد السماء ولم تعجل إلى الغروب يومًا تامًا.
وحادثة أخرى يثبتها النصارى مع عدم ذكر الأمم لها، وهي ما في إنجيل متّى (27/ 45) وإنجيل مرقس (15/ 33) وإنجيل لوقا (23/ 44) أنه لما صُلب المسيح - كما يزعمون - كانت الظلمة على الأرض كلها من الساعة السادسة إلى الساعة التاسعة.
وهذه الحادثة لما كانت في النهار على الأرض كلها على زعمهم وممتد إلى أربع ساعات فلا بد أن لا تخفى على أكثر أهل العالم، ومع هذا ليست مذكورة في تواريخ أهل الهند والصين والفرس.
ومن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم نبع الماء من بين أصابعه في مواطن متعددة حضرًا وسفرًا، وهذه المعجزة أعظم من تفجر الماء من الحجر كما وقع لموسى عليه الصلاة السلام، فإن ذلك من عادة الحجر في الجملة، وأما من لحم ودم فلم يُعهد من غيره صلى الله عليه وسلم، والله على كل شيء قدير.
ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم تكثير الطعام القليل حتى يكفي الناس الكثير، وقد وقع هذا أكثر من مرة، ومن ذلك أنه أطعم يوم الخندق ألف رجل لحمًا وخبزًا من صاع من الشعير وعنَزة صغيرة، فأكلوا منها حتى شبعوا من اللحم والخبز، والقدر مازال مليئًا باللحم والعجين مازال على حاله لم ينقص، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يغرف لهم اللحم وامرأتان تخبزان من العجين.
ومن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخطب على جذع نخلة، فلما صُنع له المنبر قام عليه يخطب فحن الجذع وسمع الناس صوته حتى نزل النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر