وهي أيضًا ذات حكمة بالغة، فقد ورد في بعض الروايات الصحيحة أنّ أمّ أنس رضي الله عنه علّمته القراءة والكتابة وهو دون عشر سنين، ولم تأت به النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان يجيدهما، روى أحمد في مسنده عن أنس قال: أخذت أمّ سليم بيدي مقدم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة فأتت بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله هذا ابني وهو غلام كاتب، قال: فخدمته تسع سنين، فما قال لي لشيء قط صنعته: أسأت، أو: بئسما صنعت [1] .
ومن عرف حال العرب من حيث القراءة والكتابة في ذلك الزمان العتيق أدرك أي عمل عظيم قامت به تلك الأم العظيمة لأجل البلوغ بولدها منازل العظماء، فلله درّها!
ومن عظيم منّة أم سليم على ابنها أنس -وهو شاهد على وفرة فطنتها كذلك- أنها أبت الزواج بعد والده، مشترطة لحدوث ذلك أن يكبر أنس ويجلس في المجالس ويحدث الرجال، فكانت تقول: لا أتزوج حتى يبلغ أنس ويجلس في المجالس، وكان أنس يقول عن ذلك: جزى الله أمّي عنّي خيرًا، لقد أحسنت ولايتي [2] .
تحقق شرط أم أنس في ولدها، وبلغ وجلس مجلس الرجال وتكلم، وجاءها الخطّاب من كل ناحية، وكان فيمن أتاها الصحابي الجليل أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري [3] , فتزوجت به أمّ سليم وقد أخلف الله عليها به، وكان زواجهما آية من آيات الله تعالى، فإنه حين ذهب لخطبتها، وكان إذ ذاك كافرًا، قالت له أم سليم صاحبة العقل الكبير:"يا أبا طلحة، ما مثلك يُردّ، ولكنك امرؤ كافر، وأنا مسلمة لا تحلّ لي، فإن تسلم فذلك مهري، فأسلم، فكان ذلك مهرها، قال ثابت البناني: فما سمعنا بمهر كان قط أكرم من مهر أم سليم: الإسلام [4] ، وبذلك كان مهرها أعظم مهر عرف في الأمة كلها!"
كان مهرها الإسلام، وهذا مهرٌ ما أظنه وقع في التاريخ مثله، ويندر أن يتكرر.
(1) حديث صحيح، رواه أحمد في المسند (12273) ، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(2) طبقات ابن سعد (10/ 396) .
(3) انظر سيرته في: سير أعلام النبلاء (2/ 27) .
(4) أخرجه عبد الرزاق (10417) والطيالسي في مسنده (2590) وغيرهما بإسناد صحيح.