الصفحة 8 من 81

ويفتخر به، فكثيرًا ما كان يقول: إني لأرجو أن ألقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم القيامة فأقول له: يا رسول الله، هذا خويدمك أنس [1] .

كانت أمّ أنس - واسمها مليكة بنت ملحان، وتُلقَّب بالغميصاء أو الرميصاء، وشهرتها أم سليم [2] -، هي التي قامت على تربية ابنها والعناية بشأنه، وقد حملت أمانتها بقوة ومضت بها في عزيمة، عهدت عنها من أول يوم دخلت فيه دين الإسلام، فقد كانت تحت مالك بن النضر في الجاهلية، فولدت له أنس بن مالك، فلما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالإسلام، كانت أم سليم ممن سارع إليه فأسلمت مع قومها، ودعت زوجها مالكًا إلى الدخول في دين الإسلام، فأبى وغضب عليها وهجرها، ثم إنه خرج إلى الشام فهلك هناك [3] ، فلم يزحزحها ذلك عن موقفها، والرجل يومئذ عمود البيت وقوامه وأساسه، فثباتها رضي الله عنها يدل على إيمان راسخ، وجنان ثابت، وعزم قوي، وهمة عالية.

كان على أمّ سليم أن تكمل المسيرة في تربية وليدها وحدها، وقد وفت بذلك وكفت رضي الله عنها، ومن لهذا المقام مثلها وهي ذات العقل الراجح والرأي الناصح؟ وموقفها مع زوجها أبي طلحة يوم وفاة ولدهما يدل على ذلك، فعن أنس رضي الله عنه قال: كان ابن لأبي طلحة رضي الله عنه يشتكي فخرج أبو طلحة فقبض الصبيُّ، فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟ قالت أم سليم -وهي أم الصبي-: هو أسكن ما كان، فقربت إليه العشاء فتعشى ثم أصاب منها، فلما فرغ قالت: واروا الصبي، فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: أعرستم الليلة؟ قال: نعم، قال: «اللهم بارك لهما» ، فولدت غلامًا، فقال لي أبو طلحة: احمله حتى تأتي به النبي صلى الله عليه وسلم، وبعث معه بتمرات، فقال: «أمعه شيء؟» قال: نعم، تمرات، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فمضغها، ثم أخذها من فيه فجعلها في فيّ الصبي ثم حنّكه، وسماه عبد الله.

وفي رواية للبخاري قال ابن عيينة: فقال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن، يعني من أولاد عبد الله المولود [4] .

تلك امرأة صابرة مبارك صبرها.

(1) حديث صحيح، رواه أحمد في مسنده، (3/ 222) ، وإسناده صحيح على شرط مسلم.

(2) انظر في ترجمتها: الإصابة في تمييز الصحابة (8/ 227) .

(3) الإصابة (8/ 227) .

(4) متفق عليه، رواه البخاري (1301) ، ومسلم (2144) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت