ومما أورده بشأن زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم: -"وينبغي للزائر أن يسأل لأهله وإخوانه الشفاعة، ويقول: - اللهم أتيتُ قبر نبيك محمد، متقربًا إليك بزيارته، وأنت قلتُ وقولك الحق {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم} ..."النساء آية 64. [1] ""
وهذا الصنيع ليس مشروعًا، ولا مأثورًا عن سلف الأمة؛ إذ طلب الشفاعة منه - صلى الله عليه وسلم -، والاحتجاج بالآية إنما هو في حياته"فإن أحدًا منهم [أي السلف الأوائل] لم يطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موته أن يشفع له، ولا سأله شيئًا، ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين في كتبهم، وإنما ذكر ذلك من ذكره من متأخري الفقهاء .. [2] "
3 -وفي الرسالة الخطية الموسومة بـ"النقل المختار من كلام الأخيار"لمنيع العوسجي، إذ يقول رحمه الله: -"فلعمر الله إنه لا يبعد في الذهن الوهن أن في العالم البشري من لا يضيق وسعه، ويتفرّق جمعه عند نزول واقعات المكاره، بل يصبر ويرضى، ولا يتألم بموت ولده، أو عاهة تصيبه في ماله أو جسده، أو هذا الخطب يضعف عن حمله جَلَد الرجال، وإن قال باللزوم من قال، اللهم إلا أن يكون من المعصومين، أو من أفراد الناس ممن وصل إلى أعلى درجات الفناء، وقليل ماهم. [3] "
فأطلق"الفناء"وهو من المصطلحات المتداولة، والألفاظ الشائعة عند المتصوفة، وقد بيّن المحققون من أهل العلم - كابن تيمية وابن القيّم - ما في هذا اللفظ من الإجمال والاشتراك [4] ، وإن كان الغالب في إطلاقه عند الصوفية هو الفناء عن شهود السوى، وهو الفناء عن العلم بالغير والنظر إليه، فيعتريه الغيبة عن شعوره بنفسه وبما سوى الله، وهذا الفناء لا يوجب مدحًا؛ إذ لم يعرض للنبي - صلى الله عليه وسلم - والسابقين الأولين.
4 -وأما ابن فيروز ذو المشرب الصوفي - كما وصفه صاحب السحب الوابلة - فقد صنّف مصنفًا أرسله الشيخ الإمام قرر أن هذا الذي يفعل عند القبور من دعاء الأولياء وطلب الشفاعة منهم هو الدين الصحيح، واحتج بقول النابغة: -
أيا قبر النبي وصاحبيه ووامصيبتنا لو تعلمونا [5]
(1) جامع المناسك الثلاثة صـ 142.
(2) قاعدة جليلة في التوسل لابن تيمية صـ 25، وانظر: جامع الرسائل 2/ 377، واقتضاء الصراط المستقيم 2/ 758، والصارم المنكي لابن عبدالهادي صـ 338.
(3) النقل المختار ق 4.
(4) انظر: التدمرية صـ 221، منهاج السنة 5/ 356، والرد على المنطقيين صـ 516، وطريق الهجرتين لابن القيم صـ 260.
(5) انظر: مجموعة مؤلفات الشيخ 5/ 206.