قال سيد قطب: (ولقد جرى بعض المفسرين وراء قوله تعالى: {عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ} [1] ، فقال بعضهم: التوراة، وقال بعضهم: إنه كان يعرف اسم الله الأعظم، وقال بعضهم غير هذا وذاك، وليس فيما قيل تفسير ولا تعليل مستيقن، والأمر أيسر من هذا كله حين ننظر إليه بمنظار الواقع، فكم في هذا الكون من أسرار كذلك لا نعلمها، وكم فيه من قوى لا نستخدمها، وكم في النفس البشرية من أسرار كذلك وقوى لا نهتدي إليها، فحيثما أراد الله هدى من يريد إلى أحد هذه الأسرار وإلى واحدة من هذه القوى فجاءت الخارقة التي لا تقع في مألوف الحياة، وجرت بإذن الله وتدبيره وتسخيره، حيث لا يملك من لم يرد الله أن يجريها على يديه أن يجريها) [2] .
وأما النوع الثالث فهو الإلهام أو الإيحاء:
وهو الإرشاد أو التسخير، بمعنى أن الله أرشد تلك النملة إلى أن هذا هو سليمان عليه السلام وجيشه، وأنهم صالحون ولا يبغون الإفساد والدمار في الأرض، ولكن قد لا يشعرون في سحق وتحطيم جماعة النمل [3] .
ونقل ابن القيم في شفاء العليل قوله: (أن أهل الأحنف بن قيس لقوا من النمل شدة فأمر الأحنف بكرسي فوضع عند تنورين فجلس عليه ثم تشهد ثم قال: لتنتهن أو ليحرقن عليكن ونفعل، قال: فذهبن) [4] .
هنا يبين لنا القرآن أن سليمان عليه الصلاة السلام تبسم ضاحكًا لقولها، ليس من باب السخرية والامتهان، إنما تبسمه كان للنعمة التي أنعمها عليه خالقه ومولاه سبحانه وتعالى أن ألهمه سماع قولها، وكذلك لغيرة واهتمام وإخلاص تلك النملة لشعبها النمل، وبعد هذه النعمة عليه وجه دعاءه إلى الله عز وجل الذي ألهم هذه النملة، لأن تحذِّر قومها من مغبة سحق جيشه لتلك القرية من النمل وهم لا يشعرون، حيث قال تعالى مخبرًا عنه: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًَا مِّنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} .
(1) سورة النمل الآية (40) .
(2) ينظر: في ظلال القرآن: 6/ 274.
(3) ينظر: تفسير كلمات القرآن للشيخ حسنين محمد مخلوف - تفسير سورة النحل، الآية (68) .
(4) ينظر: شفاء العليل ص 69.