والخارقة الثانية: أعطيت لنملة وهي حيوان من الحيوانات، والحيوانات بمختلف أنواعها أمم أمثال بني البشر والجن، لها لغتها ولها حياتها ونظامها قال الله تعالى: {وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالَكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شيءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [1] ، فهي وحي أو إلهام منه سبحانه لتلك النملة، وكما أن الله عز وجل أوحى إلى النحل أوحى إلى تلك النملة كما في قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذّي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} [2] ، ولكن تختلف المعجزة عن الإلهام أو الوحي للحيوانات، وغيرها من المخلوقات كناقة صالح، ودآبة الأرض التي أكلت منسأت سليمان أي عصاه، والاختلاف هنا من حيث الموحى إليه.
والموحى إليه من الله عز وجل على ثلاثة أنواع: المعجزة والكرامة والإلهام وفيما يأتي تعريف كل واحدة منها:
فأما المُعجزة:
فهي أمر خارق للعادة يمنحها الله عز وجل لأنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام تعزيزًا وتأييدًا لصدق نبوتهم ورسالاتهم، ويكون مقرونًا بدعوى النبوة. فالله سبحانه لكمال عدله ورحمته وإحسانه وحكمته ومحبته للعُذْر، وإقامة الحجة، لم يبعث نبيًا ولا رسولًا إلاَّ ومعه آية تدل على صدقه فيما أخبر به قال الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [3] .
قال القرطبي في مقدمة تفسيره عن شروط المعجزة بأنها خمسة، وهي: (أن لا يقدر عليها إِلاَّ الله تعالى، وأن تخرق العادة بها، وأن يستشهد بها مدعي الرسالة على الله عز وجل، وأن تقع على وفق مراد التحدي بها ودعواه، وأن لا يأتي أحد بمثل ما أتى به المتحدي) [4] .
وأما الكرامة:
فهي ظهور أمر خارق للعادة من قبل شخص غير مقارن لدعوى النبوة [5] . ويدخل في هذا وحي الله عز وجل لأوليائه كما ذكرهم القرآن، كأم موسى، ومريم، والخضر، والذي عنده علم الكتاب [6] في قصة سليمان مع عرش ملكة سبأ، فهو إلهام وتسخير وإرشاد.
(1) سورة الأنعام الآية 38.
(2) سورة النحل الآية (68) .
(3) سورة الحديد الآية (25) .
(4) ينظر: تفسير القرطبي: المقدمة.
(5) فما لا يكون مقرونًا بالإيمان والعمل الصالح يكون استدرجًا كما عليه السحرة والكهان والمشعوذون. ينظر: التعريفات للجرجاني ص 105.
(6) قيل: اسمه آصَف أو جبريل أو ملك آخر. ينظر: تفسير كلمات القرآن للشيخ حسنين محمد مخلوف - تفسير سورة النمل، الآية (40) .