فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 48

جدار القبلة وما بين السقفين؟ قال: وكم؟ قال: خمسة وأربعين ألف دينار -وقال بعضهم أربعين ألف دينار- قال: والله كأنك أنفقتها من مالك، وقيل كانت النفقة أربعين ألف مثقال.

قالوا وكان معه أبان بن عثمان بن عفان فلما استنفذ الوليد النظر إلى المسجد التفت إلى أبان [1] ، فقال: أين بنياننا من بنيانكم؟! وكأنه يعرض ببناء أبيه عثمان رضي الله عنه، فقال أبان: بنيناه بناء المساجد وبنيتموه بناء الكنائس» [2] .

وسبب ذلك أنه ابتدع في المسجد أمورًا لم يفعلها من سبقه من الراشدين فكان على خلاف ما بناه الصحابة من مساجد كعثمان في المدينة، ومسجد علي في الكوفة، وجامع عمرو بن العاص في الفسطاط بمصر، وعامة مساجد ذلك الوقت الذي لم تتمكن فيه أسباب الترف ومظاهر الزخرفة وأنواع الزينة التي هي من علامات آخر الزمان في اتخاذها في المساجد. فجاءت كلمة أبان بن عثمان واضحة وفاصلة فيما بين عمارة الوليد ومن قبله من الرسول إلى صحابته الذين عمروا مسجده ووسعوه. وفي كلمة أبان أيضًا إشارة إلى أثر النصارى في عمارة المسجد. وذلك أنه لما بدا للوليد عمارة مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتوسعته أرسل إلى ملك الروم وقال له: إنا نريد أن نعمر مسجد نبينا الأعظم -وفي بعض الروايات أنه أمره أمرًا بالإرسال- فأعنا بعمال وفسيفساء، فبعث إليه ثمانين عاملًا: أربعين من الروم وأربعين من القبط وثمانين ألف مثقال وبأحمال من الفسيفساء. وبأحمال من سلاسل القناديل [3] .

ومما يدل له أيضًا ما نقله السهمودي عن الواقدي قال: حدثني عبد الله بن يزيد قال: كان عمل القبط مقدم المسجد وكانت الروم تعمل ما خرج من السقف، جوانبه ومؤخره، فسمعت سعيد بن المسيب يقول: عمل

(1) ... أبان بن عثمان بن عفان رحمه الله قال عنه الذهبي، الإمام الفقيه الأمير. وذلك أنه كان أميرًا على المدينة وهو من فقهاء المدينة العشرة، حيث عدَّه يحيى بن سعيد القطان منهم مع ابن المسيب وسائرهم. وعن عمرو بن شعيب قال: ما رأيت أحدًا أعلم بحديث ولا فقه من ابان بن عثمان. مات سنة 105 هـ. انظر «السير» 4/ 301، و «البداية والنهاية» 9/ 64، و «تاريخ خليفة بن خياط» ص 293، 296، 336.

(2) ... ذكره ابن النجار في «أخبار مدينة الرسول» ص 84 ونقلها السمهودي عن يحيى العبيدي (277) في تاريخه. انظر «الخلاصة» 271، وكذا «تحقيق النصرة» ص 49.

(3) ... ذكر هذا الخبر جمع من المؤرخين منه: نقل هذا السمهودي في «الخلاصة» ص 269 - 270 عن الحسن بن زبالة وعن يحيى العبيدي. وذكره البلاذري في «فتوح البلدان» ص 13، واليعقوبي في «تاريخه» 2/ 284، والطبري في «تاريخه» 6/ 436، والمقدسي في «أحسن التقاسيم» ص 81، والمراغي في «تحقيق النصرة» ص 49، وابن كثير في «البداية» 9/ 80، وابن بطوطة في «رحلته» 1/ 136 - 137، والحموي في «معجم البلدان» 6/ 87، وابن خلدون في «مقدمته» 1/ 443، وذكر أن الوليد ألزم ملك الروم بذلك، وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت