الجزيرة، وسبب هذا كله تدفق الأموال على الدولة وانفتاح الدنيا عليهم كما أخبر به الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - وكذا الركون إلى الدنيا وطول الأمل فيها ...
وكان اهتمام خلفاء وأمراء بين أمية بالأبنية والقصور وزخرفتها والمباهاة فيها واضحًا في عهد عبد الملك بن مروان وابنه الوليد وسليمان ... لا تزال نرى اليوم آثاره مما خلفوه. وانتقل هذا الاهتمام بالأبنية وتزينها والمفاخرة والمباهاة بها إلى بناء المساجد كالجامع الأموي بدمشق الذي أنشأه الوليد بن عبد الملك، ومسجد قبة الصخرة الذي أعاد عمارة مسجد قبة الصخرة وعظمها وابتدع ذلك فيها بما لم يحفظ عمن قبله من الخلفاء والصحابة وأهل العلم.
وفي هذا الصدد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: « ... فلما كان في زمن عبد الملك، وجرى بينه وبين ابن الزبير من الفتنة ما جرى كان هو الذي بنى القبة على الصخرة. وقد قيل أن الناس كانوا يقصدون الحج فيجتمعون بابن الزبير، أو يقصدونه بحجة الحج، فعظَّم عبد الملك شأن الصخرة، بما بناه عليها من القبة، وجعل عليها من الكسوة في الشتاء والصيف، ليكثر قصد الناس للبيت المقدس فيشتغلوا بذلك عن قصد ابن الزبير والناس على دين الملك. وظهر ذلك الوقت تعظيم الصخرة وبيت المقدس ما لم يكن المسلمون يعرفونه بمثل هذا، وجاء بعض الناس ينقل الأسرائيليات في تعظيمها حتى روى بعضهم عن كعب الأحبار عند عبد الملك بن مروان وعروة بن الزبير حاضر: إن الله قال للصخرة: أنت عرشي الأولى فقال عروة: يقول الله تعالى {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ} ، وأنت تقول: إن الصخرة عرشه؟ وأمثال هذا. ولا ريب أن الخلفاء الراشدين لم يبنوا هذه القبة ولا كان الصحابة يعظمون الصخرة وينوون الصلاة عندها، وفي تخصيصها بالتعظيم مشابهة لليهود» [1] .
فالمقصود أن في هذه الفترة اشتغل الخلفاء بتعظيم المساجد وزخرفتها والمبالغة في تعظيم عمارتها وتزينها بالمرمر والفسيفساء على الحيطان وفي السقوف بأشكال أشجار وزهور وأودية وأنهار ومناظر من هذا القبيل. ووجد هذا بالفعل في الجامع الأموي ومسجد قبة الصخرة بل كان من نتيجة ذلك ما حصل في عمارة المسجد النبوي والزيادة فيه في عهد الوليد بن عبد الملك سنة 88 هـ، فجعل فيه ما سبق ذكره من أنواع المباهاة والزخارف، ومما يدل لهذا ما ذكره ابن النجار قال: «ولما قدم الوليد ابن عبد الملك حاجًا بعد فراغ عمر بن عبد العزيز من المسجد جعل يطوف فيهو وينظر إلى بنائه فقال لعمر بن عبدالعزيز حين رأى سقف المقصورة إلى عملت السقف كله مثل هذا، فقال يا أمير المؤمنين: إذًا تعظم النفقة جدًا، أتدري كم أنفقت على عمل
(1) ... انظر كلام الشيخ رحمه الله في «الاقتضاء» 2/ 810 - 811. وانظر إلى كلام لابن كثير في تفسير آية الكرسي حول هذا الموضوع 1/ 308 - 310.