فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 48

زخرفة المنبر النبوي:

كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب في مسجده وهو مستند إلى جذع نخلة. ثم لما كثر المسلمون احتاج - صلى الله عليه وسلم - إلى منبر يجلس عليه. فأرسل رسول الله إلى امرأة أنصارية كان لها غلامٌ نجارٌ فقال لها: مري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أجلس عليهن. فعمل له منبرًا من أثل الغابة. وهذا حديث متفق عليه.

وكان هذا في السنة الثامنة من الهجرة على الأرجح. فلما كان كذلك حنَّ الجذع الذي كان يستند عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه، وسُمع له صوتًا كصوت الرضيع. قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: كان جذع يقوم عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار حتى ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - موضع يده عليه وقيل ضمه. رواه البخاري [1] .

وقد ذكر ابن بطوطة أنه لما زار المدينة، وصلى بالمسجد النبوي أنه استلم القطعة الباقية من الجذع وهي ملصقة بعمود قائم بين القبر والمنبر عن يمين مستقبل القبلة [2] .

ولم يزل منبره - صلى الله عليه وسلم - هذا والذي كان ثلاث درجات على هذا الوضع في عهد خلفائه الراشدين الأربعة رضي الله عنهم. حتى جاء في عهد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه فزاده ست درجات فأصبح المنبر ذو تسع درجات. ولم يزل هكذا زمنًا. والذي يدل عليه هذا أن منبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان ضمن بزيادة معاوية، ويشهد لهذا أن المهدي لما قال لمالك بن أنس أني أريد أن أعيده على حاله وعلى زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه. قال له مالك: إنما هو من طرفاء الغابة، وقد سمَّر إلى هذه العيدان وشُدَّ، فمتى نزعته خِفتُ أن يتهافت ويهلك فلا أرى أن تغيره [3] . لهذا بقي المنبر على حاله عهودًا طويلة.

ولما احترق المسجد في الحريق الأول سنة 654 هـ احترق المنبر معه، فأرسل صاحب اليمن منبرًا له من صندل، ثم لم يزل الأمراء والسلاطين يجددون المنبر ويزيدون في عمارته وتجميله ونقشه وزخرفته ويتفاخرون في ذلك حتى الحريق الثاني للمسجد سنة 886 هـ، وبنا المسجد الأشرف قايتباي المملوكي فبنى سنة 888 هـ منبرًا من رخام وعظمه وكبره وجعل عليه الستور وزخرفه.

ثم أرسل السلطان مراد العثماني منبرًا آخر وُصف بأنه أعجوبة، من شدة جماله وحسن منظره وذلك سنة

(1) ... انظر «صحيح البخاري» ، كتاب الجمعة، باب الخطبة على المبر 1/ 311.

(2) ... انظر رحلة ابن بطوطة «تحفة النظار» 1/ 133. لكن هذا معارض بما جاء عن أبي بن كعب أنه لما هدم المسجد للتوسعة أخذه عنده في بيته فبقي هناك حتى بلي ونخر. وجاء في مسند الدارمي أن النبي' خيَّر الجذع بين غرسه في مكانه، الذي كان فيه أو يدفنه ويغرسه في الجنة فاختار الثاني. والله أعلم بالصواب.

(3) ... انظر «أخبار مدينة الرسول» ص 67. و «الخلاصة» ص 234 - 235.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت