فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 48

من الزهد يقول: من لي بخبيب؟ [1] . وهذا النقل أنقله عن اليعقوبي بما فيه على ما عنده من تشيع. والله أعلم بثبوتها من هذه الجهة!

إنكار الزخرفة التي وجدت في المسجد:

سبق ذكر استعانة الوليد بن عبد الملك بالنصارى -وسيأتي تفصيله- واتخاذ الزخرفة في الجصِّ والمرمر والفسيفساء على حيطان المسجد، وما نُقل عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يعطي العامل الذي يرسم شجرة كبيرة من الفسيفساء ثلاثين درهمًا.

وهذا صاحبه بطبيعة الحال الكلفة الزائدة في تكاليف بنائه، فقد روى الحسن بن زبالة عن إبراهيم بن محمد الزهري عن أبيه: لما قدم الوليد المدينة حاجًا بعد فراغ المسجد، جعل يطوف فيه وينظر إلى بنيانه، فلما رأى سقف المقصورة، قال لعمر: ألا عملت السقف كله مثل هذا؟ قال: إذًا تعظم النفقة جدًا. قال: وإن.

وفي رواية لغيره: أتدري يا أمير المؤمنين كم أنفقت على جدار القبلة وما بين السقفين؟ قال: وكم؟ قال خمسة وأربعين ألف دينار، قال: والله كأنك تنفقها من مالك [2] ؛ كناية عن عدم مبالاته بكثرة ما أنفق!!

ونحو هذا من التكاليف الزائدة في الزينة والزخرفة وكلفة البناء من الأمور المنهي عنها، بل وهي معتبرة من علامات آخر الزمان كما في الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ومما يدل على إنكار هذه الزخرفة من كبار التابعين ما جاء عن عروة بن الزبير رحمه الله لما بنى قصره في وادي العقيق قيل له: جفوت عن مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إني رأيت مساجدهم لاهية، وأسواقهم لاغية، والفاحشة في فجاجهم عالية، فكان فيما هناك عماهم فيه عافية» [3] . فقوله: مساجدهم لاهية، مما فيها من التشيِّيد والزخارف والمرمر والفسيفساء التي تشغل المصلي وتلهيه عن عبادته، وقد استنكر هذه العمارة مما فيها أبان بن عثمان بن عفان رحمه الله وشبهها بعمارة الكنائس -كما سيأتي في أثر النصارى في العمارة-.

ومما وجد في هذه العمارة من الزخارف الكتابات على حيطان المسجد ونواحيه، وهي من أشد الصوارف للمتعبد في المسجد. ومنها ما حكاه ابن النجار قال: «وكتب عمر بن عبدالعزيز الكتاب الذي في قبلة المسجد عن يمين الداخل من الباب الذي يلي دار مروان بن الحكم حتى انتهى إلى باب علي رضي الله عنه كتبه مولى

(1) ... انظر «تاريخ اليعقوبي» 1/ 284.

(2) ... ذكرهما السمهودي في «الخلاصة» ص 271 وابن النجار في «أخبار مدينة الرسول» ص 84.

(3) ... عروة مات سنة 94 هـ، وقد ولد سنة 23. ترجمته في «السير» 4/ 427 و «تاريخ خليفة» بن خياط ص 156، 306. وهذه الرواية عنه ذكرها الذهبي في ترجمته، وذكرها المراغي في «تحقيق النصرة» ص 183.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت