فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 48

صاح الأشراف ووجوه الناس من بني هاشم وغيرهم، وتباكوا مثل يوم مات النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ويحكى أن سعيد بن المسيب أنكر إدخال حجرة عائشة في المسجد، كأنه خشي أن يُتخذ القبر مسجدًا. والله أعلم» [1] .

وجاء نحو هذا عن عطاء الخراساني [2] .

ومما يجب أن يُعلم أن صنيع الوليد بن عبد الملك هذا إنما كان بعد موت الصحابة رضي الله عنهم، فلم يكن يجرأ على هذا العناد بهذا الصنيع في عهد الصحابة رضي الله عنهم.

فقد نصَّ على ذلك الأئمة، أن هذا الفعل من الوليد بإدخاله الحجرة في توسعته للمسجد كان بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة، كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن عبد الهادي صاحب «الصارم المنكي» [3] .

والمشهور أن آخر الصحابة موتًا بالمدينة هو الصحابي الجليل سهل بن سعد الساعدي، فقد نص الحافظ ابن حجر في «التقريب» على أن وفاته سنة 88 هـ. والله أعلم.

أما في غير المدينة فقد مات أنس بن مالك رضي الله عنه بالبصرة سنة (93 هـ) ، ومات أبو الطفيل عامر بن واثلة سنة (107 هـ) بالعراق.

كما أنكر هذا الصنيع جملة من علماء التابعين في المدينة، كما هو المشهور عن سعيد بن المسيب وعطاء وأبان بن عثمان بن عفان الذي قال للوليد لما فاخره في بناء المسجد وبناء عثمان وتوسعته له، قال له أبان رحمه الله: «يا أمير المؤمنين بنيناه بناء المساجد، وبنيته بناء الكنائس» .

هذا وذكر اليعقوبي في تاريخه: أنه لما بدأ عمر بن عبدالعزيز بهدم الحجرات قام خُبيب بن عبدالله بن الزبير [4] إلى عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليهما، والحجرات تُهدم، فقال: نشدتك الله يا عمر أن تذهب بآية من كتاب الله يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [الحجرات:4] ، فأمَر به، فضُرب مائة سوط، ونُضح بالماء البارد فمات وكان يومًا باردًا. فكان عمر لما ولي الخلافة وصار إلى ما صار

(1) ... انظر «البداية والنهاية» 9/ 79 - 80، وكذا أورده ابن جرير الطبري في تاريخه، في حوادث شهر ربيع الأول.

(2) ... انظر «خلاصة الوفاء» ص 266. وتحقيق «النصرة» ص 49، 50.

(3) ... انظر «الجواب الباهر» لشيخ الإسلام ص 18، و «الصارم المنكي» لابن عبد الهادي ص 136، وقد نبه إلى هذه الشبهة والجواب عنها الشيخ لألباني بكلام جيد في كتابه الحافل «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد» 78 - 93.

(4) ... ذكر ابن خياط في «تاريخه» أنه توفي سنة 93 ه انظر «التاريخ» ص 306، وهو السنة التي انتهت بها عمارة المسجد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت