تعالى تمام الجهل، كما هو حالهم مع كبار العارفين، كالحلاج، وابن العربي، وابن سبعين، وابن الفارض، والششتري، وأمثالهم، فإن جل الفقهاء يشهدون عليهم بالإلحاد والزندقة، والقول بالحلول والاتحاد. وقد ألف الحافظ السخاوي مجلدا حافلا في إكفار الشيخ محيي الدين ابن العربي رضي الله عنه، سماه: (القول المنبي، في ترجمة ابن العربي) ، لم يورد فيه إلا فتاوى كبار العلماء، من عصر الشيخ الأكبر كالعز ابن عبد السلام ومعاصريه، إلى طبقة شيوخه وشيوخهم، كالبلقيني والعراقي والحافظ ابن حجر وأمثالهم، وكلهم حكموا بكفره وزندقته، فهم صديقو أهل القرن السابع والثامن والتاسع، وهم نحو السبعين (قلت: بل هم أكثر من مائة وأربعين) ، وما حصلت له رضي الله عنه الصديقية الكبرى، إلا بعد شهادة هؤلاء الصديقين رحمهم الله وغفر لهم، وجعلنا من حزبه المشهود عليهم، ولو كان الشاهدون ألف ألف صديق [1] .
وكتبت أنا على هامش نسختي تعليقا على هذا القول ما نصه: (لازم هذا أنهم جاهلون بالله تعالى، لا يفهمون عن الله، ولو بلغوا مليونا من العلماء، والمؤلف ومن على شاكلته، عالمون بهذا، مدركون له بالذوق، كأن أولئك لا أذواق لهم، والعجب أن من أولئك أولياء حكيت لهم كرامات، وزعمت لهم"القطبانية"؛ كابن حجر وغيره، كما في"الجواهر"و"الدرر".
2 ـ قال في رسالة بدون تاريخ إلى ذنبه الكرفطي المدعو التليدي: (وجوده صلى الله عليه وسلم في كل مكان، بل هو الكون كله) .
قلت: تأمل قوله: (بل هو الكون كله) ، فإنه يعني ما يدعونه"الإنسان الكامل"، ويقصدون أنه أكبر مظهر للإله في الأرض، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
3 ـ وفي رسالة له إليه مؤرخة بـ (12 ربيع الثاني عام 1374) قال بعد كلام: (أما وحدة الوجود فوالله ما أوجد الله عارفا به تعالى من عهد آدم إلى النفخ في الصور، إلا وهو قائل بها، ذائق لها، لأنها عين المعرفة، فمن لا وحدة له، لا معرفة له أصلا، ثم ذكر أن العارفين عنده قسمان: قسم يلزم الصمت ولا يبوح بالسر، وقسم غلبهم الحال، فباحوا أو أُذِنَ لهم بالبَوْحِ فصرحوا) ، إلى أن قال: (ولله در القائل: [الكامل]
أهل الهوى قسمان قسم منهمُ ... كتموا وقسم بالمحبة باحوا ...
فالكاتمون لسرهمْ شربوا الهوى ... ممزوجة فحمتهمُ الأقداح
(1) جؤنة العطار 3/ 241.