فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 164

الفصل الخامس عشر

قوله بوصية علي رضي الله عنه بالمفهوم الشيعي، وتقديمه على إخوانه الخلفاء الراشدين الثلاثة

لم أكن -علم الله- أتوقع من أبي البيض أن يُفضي به الضلال والغلو إلى الاعتقاد بالوصية بالمفهوم الشيعي، إلى أن وقفت على تصريحه بها في مواضع من"جؤنته"وغيرها، ووَصْفِ علي رضي الله عنه بناءً عليها بالوصي، لأنها من خصائص مذهب الشيعة الروافض التي بنوا عليها القول بالإمامة، وأنها الركن الأول في الإسلام بعد كلمة الإخلاص، وأبو البيض يغض الطرف عمدًا عما يترتب على القول بالوصية من رمي الخلفاء الراشدين الثلاثة بالغصب والتعدي والظلم، ومن ورائهم سائر الصحابة رضي الله عنهم الذين بايعوا الثلاثة وأجمعوا على خلافتهم، وقد قال سفيان الثوري رحمه الله كلمته العجيبة في الموضوع، وقد أشرت إليها قبل، وهي: من قدم عليا على إخوته الخلفاء فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وأي زراية أسوأ من اتهام أفضل الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالعدوان والظلم.

والقول بالوصية هو منطلق الروافض قديما وحديثا لسب الشيخين وسائر الصحابة لاغتصابهم الخلافة من علي، وإظهار البراءة منهم وتكفيرهم، واعتقاد أن عليا سيرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة هو وآل بيته للانتقام من أبي بكر وعمر وسائر الصحابة في تمثيلية مزرية بالعقول، وليس الشأن في اعتقادهم هذا فقد اعتقدوا ما هو أفحش وأعرق في الضلال والخبال من أمر مهديِّهم القائم!! ودخوله السرداب منذ ألف ومائتي عام تقريبا، ومناداتهم له بالخروج وهتافهم بالدعاء له بكرة وعشيا بالفرج! وإنما الشأن في أمر أبي البيض وإخوته في اعتقادهم الوصية وهم يعلمون تاريخها، ويعلمون أن عليا رضي الله عنه بايع الخلفاء قبله، وأعلن أن أفضل الخلق بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر وعمر، وقد ذكر مؤرخو الملل والنحل أن أول من أتى بفكرة الوصية هو عبد الله بن سبأ اليهودي اليمني المكنى بابن السوداء، وإليك نصين مهمين في الموضوع من عالمين جليلين في علم الفِرَق، لا يحوم حولهما الشك:

قال الشهرستاني في"الملل والنحل": السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ؛ الذي قال لعلي كرم الله وجهه: أنت أنت يعني: أنت الإله؛ فنفاه إلى المدائن. زعموا: أنه كان يهوديًا فأسلم؛ وكان في اليهودية يقول في يوشع بن نون وصي موسى عليهما السلام مثل ما قال في علي رضي الله عنه. وهو أول من أظهر القول بالنص بإمامة علي رضي الله عنه. ومنه انشعبت أصناف الغلاة [1] .

(1) الملل والنحل 174.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت