فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 164

وبقيتها أحطُّ وأركّ، وأنزل منه درجة نظم أحمد بن عليوة المستغانمي، ففي ديوانه وهو مطبوع سخافات لا تتزن بعروض ولا ميزان، إلا النغم والغناء عندهم.

وبالجملة فإن مفاهيم هذه العقائد الضالة بينة، تدرك بأدنى تأمل، ولاسيما من خالط القوم وقرأ كتبهم وأشعارهم، ومن تصفح كتابي: ابن العربي: الفتوحات المكية، وفصوص الحِكم، أدرك بما لا يدع مجالا للشك أن الرجل، أعني: أبا البيض غال وغارق إلى ذقنه في وحل هذا البلاء الماحق، وأنه أفنى عمره في (أن لا موجود إلا الله) تعالى، وأن جميع الممكنات مظاهر له، يتجلى فيها جميعِها، لا في بعضها دون بعض، فهي ليست إلا مظاهر للحق الظاهر فيها، ولولاه لكانت عدما، ولقد أكثر ابن العربي في الاحتجاج بآيات قرآنية، وأحاديث نبوية كثير منها لا أصل له، وإن زعم أنها صحيحة من طريق الكشف، يتصدى لتفسيرها تفسيرا باطنيا يبرأ منه الله ورسوله واللغة العربية، ولا يكترث بلي أعناق الآيات وبترها عن سياقها، ليتم له الاستدلال الآثم، ويطول بنا القول لو أردنا الإتيان بأمثلة.

و قد ترسم خُطى ابن العربي، ولكن مع ضَلََع ظاهر، وسخف بارد، شقيق أبي البيض: أبو العسر جمال الطين في كتاب له مخطوط سماه (السوانح) ، قرأته متعوذا بالله من ضلالاته، وكتبت على هوامشه تعليقات سميتها:"تحصين الجوانح من سموم السوانح"كما أشرنا.

و المقصود بيان ما ينطوي عليه هذا المذهب العريق في الضلال والسوء، من مخاطر وآثار تنعكس على قلب المرء وسلوكه، فلا يحرم حراما، ولا يرعوي عن ذنب، لأنه يعتبر نفسه مَظهرًا إلاهيا في الوجود كما قال الششتري:

أنا بالله أنطقْ ... ومن الله أسمعْ

وقد سمعت أحد غلاتهم بتطوان، وكان ممن يعرف الفتوحات، ويستحضر كثيرا مما فيها، يقول عن الصلاة ـ وقد كان لا يوقعها إلا على مرأى من الفقراء في الزاوية الحراقية ودون وضوء ـ ولما سألته عن هذا قال بالدارجة: (حَتَّى يُوجّدْهُمْ عَادْ يْكَلْفْهُمْ) ، يعني: أنه لا وجود لسوى الله،

وقد كان الملقب العفيف -وهو الفاجر- التلمساني من الغلاة في الوحدة، يلوط بابنه، ولما أنكر عليه مرة قال له: (يا بني أنا وأنت شيء واحد) . نسأل الله السلامة والعافية، وحسن الخاتمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت