من هم إن لم يكونوا الصحابة والتابعين، فتأمل كيف يتمكن الضلال والابتداع من المرء فيطوّح به في مهاوي الهلاك وهو لا يشعر.
11 -وفيه نقلا عن عمر بن شبة في أخبار المدينة بسند فيه مجهول أن عليا عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لأمامة بنت أبي العاص: إني لا آمن أن يخطبك هذا الطاغية -يعني: معاوية- فإن كان لك في الرجال حاجة، فقد رضيت لك المغيرة بن نوفل عشيرا، فلَّما انقضت عدتها كتب معاوية إلى مروان يأمره أن يخطبها عليه، وبذل لها مائة ألف دينار، فأرسلت إلى المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب: إن هذا قد أرسل يخطبني، فإن كان لكَ بنا حاجة فأقبل، فخطبها إلى الحسن فزوجها منه
قال أبو البيض: في هذا دليل على كشف علي عليه السلام، وعلى تسمية علي معاوية بالطاغية، والطاغية رئيس الكفار [1] .
قال أبو أويس: والمقصود من هذا النقل الباطل تكفير معاوية من قِبل علي رضي الله عنه، ولم يَصِل ما كان بينهما إلى هذا الحد، فإن معاوية رضي الله عنه ثبت عنه أنه قال مرارا وتكرارا بأنه لم يقاتل عليا على الإمارة لأنه لا يستحقها، وقد كان خصمه يعرف منه هذا، ورحم الله أبا زرعة الرازي فقد روى ابن عساكر في ترجمته من تاريخ ابن عساكر: أن رجلا قال له: يا أبا زرعة، أنا أبغض معاوية، قال: لِمَ؟ قال: لأنه قاتل علي بن أبي طالب، قال: فقال له أبو زرعة:"إن رب معاوية رب رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فإيش دخولك أنت بينهما رضي الله عنهم أجمعين [2] "، وأبو البيض نجم بطنجة، وانتصب لرواية أخبار مثالب الصحابة وترويجها، وملأ بها كتبه ورسائله حتى امتلأت قلوب الشباب بغضا وكراهية للصحابة، وأخذ يتناولهم بالنقد والتجريح عمال الميناء، والمتسولون البطلة من رواد الزاوية، ورجال البوليس، وسمعت من بعض طلابهم من يتناول أبا بكر الصديق رضي الله عنه أفضل الناس بعد الرسول معتقدا أنه حرم فاطمة رضي الله عنها من إرثها في أبيها ومنعها أرض (فدك) ، وهنا ينشد قول حكيم المعرة: [الطويل]
فيا موتُ زُرْ، إن الحياة ذميمة ... ويا نفسُ جِدّي، إنّ دهرك هازِلُ
(1) جؤنة العطار 2/ 208.
(2) تاريخ دمشق 59/ 141.