قال الله _عز وجل_: [وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ] (الحج:8) .
وقال _سبحانه_: [هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] (آل عمران:66) .
قال القرطبي×: =في الآية دليل على المنع من الجدال لمن لا علم له+ [1] .
وقال ابن كثير×: =هذا إنكار على من يحاج فيما لا علم له به+ [2] .
فالعلم _إذًا_ يحتاجه المحاور في محاورته لمن يفوقه، أو لمن هو دونه، أو لمن هو في طبقته.
ويتأكد _أكثر_ إذا كان المحاور أعلى طبقة من محاوِره الذي يأمل الإفادة من ذلك الأعلى.
والعلم اللازم للمحاور في أي شأن من الشؤون يشمل العلم بالحكم الشرعي في المسألة المختلف فيها، والعلم بشبهات المخالفين والرد عليها، والعلم بأدب الحوار، والعلم بظروف المكان والزمان والحال [3] .
ولا ريب أن النبي"هو المعلم الأول، والقدوة المثلى، وأنه كان يحاور كافة الطبقات، وينوع لهم الأساليب _كما سيأتي في فصل قادم_ فتارة يَبْتَدِر أصحابه بالحوار، وتارة يبتدرونه، وتارة يستفهمهم، وتارة يستفهمونه، وتارة يحاور المشركين، وتارة يحاور أهل الكتاب إلى غير ذلك من أساليب الحوار، وطبقات المحاورين."
وكان شأنه في ذلك كله لزومَ العلم والبصيرة، والأخذ بالحجة المستنيرة؛ فلا يتكلم إلا عن علم، ولا يجيب إلا عن علم، ولا ينكر إلا عن علم؛ فإن لم يكن لديه علم حاضر انتظر نزول الوحي، ولم يأنف من قول لا أدري.
وإذا أرسل أحدًا من أصحابه لدعوة قوم، أو لأيِّ شأنٍ من الشؤون أوصاه بما يلزم من أصول الحوار، وآدابه.
وسيرته حافلة بما يؤكد تلك المعاني، وفيما يلي أمثلة لحوارات نبوية توضح ما مضى ذكره.
(1) _ الجامع لأحكام القرآن 4/ 70.
(2) _ تفسير ابن كثير 1/ 372.
(3) _ انظر الحوار آدابه وضوابطه ص 73.