والشاهد واضح من هذا الحديث، حيث تَثَبَّت _عليه الصلاة والسلام_ في هذا الحوار من صحة قول ماعز بأنواع من التثبت، حيث أرجعه، وأمره بالاستغفار، ثم استعلم منه عن أي شيء يُطهره، ثم سأل عن سلامة عقله من الجنون، ثم سأل هل شرب خمرًا، فصار يهذي بما لا يعقل، ثم شُمَّ، فلم يُوجَدْ منه ريحُ خمرٍ، ثم سأله سؤالًا صريحًا: =أزنيت+ فلما اعترف بعد هذه الأنواع من التثبت، وبعد أن ردده النبي"مرارًا _ أمر به؛ فرجم، ثم لما اختلف الناس في شأنه، أمرهم بالاستغفار له، وبين لهم صدق توبته؛ فهذا نزر يسير من أمثلة تثبته".
ومن خلالها يتبين لنا شيء من منهجه _عليه الصلاة والسلام_ في هذا الأصل العظيم _ وفي ذلك درس لكل من أراد الحوار، وذلك بأن يلازم التثبت، فلا يتكلم، ولا يحكم، ولا يحاور إلا عن تثبت ويقين؛ فحقيق على المحاور أن يلزم هذا الأصل خصوصًا في المحاورات التي يترتب عليها مصالح ومفاسد، فعليه التأني والتروي، وترك التسرع؛ فذلك أقرب للسلامة، وأبعد عن الندامة. [1]
قال ابن حبان ×: =أنشدني منصور بن محمد الكريزي:
الرفقُ أيمنُ شيءٍ أنت تَتْبَعُه ... والخُرق أشأمُ شيء يُقْدِم الرَّجُلا
وذو التثبت من حَمْدِ إلى ظَفَرٍ ... من يركبِ الرفقَ لا يستحقبِ الزللا [2]
فالعلم من أعظم مرتكزات الحوار، وأمضى أسلحة المحاور؛ فلا بد للمحاور أن يكون حواره عن علم وبصيرة.
ويتأكد هذا في حقِّ المحاوِرِ المعلِّمِ المرشد الداعية الذي يخاطب الجاهلين، وينبه الغافلين، ويرد على شبهات المخالفين؛ فمن كان هذا شأنه تأكد هذا الأصل في حقه، وقبح جهله بمادة حواره [3] .
(1) _ انظر تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص 154، فتح الرحيم الملك العلام في علم العقائد والتوحيد والأخلاق والأحكام المستنبطة من القرآن للشيخ عبدالرحمن السعدي عناية الشيخ د. عبدالرزاق العباد ص 161.
(2) _ روضة العقلاء لابن حبان ص 216.
(3) _ انظر الحوار آدابه وضوابطه ص 72_73.