ففي هذا الحوار إدلال مقبول لا يخالف الحقيقة، ولا يجانب الصدق؛ فليس من ضرر في استجابة الرسول"وإرضائه لهذا الإدلال والاعتزاز، وإدخاله بذلك السرور على قلب زوجه."
المثال الرابع: ما جاء عن عائشة _ رضي الله عنها _ قالت: =خرجتُ مع النبي"في بعض أسفاره، وأنا جارية لم أحمل اللحم، ولم أبدن، فقال للناس: تقدَّموا، فتقدَّموا، ثم قال لي: =تعالي أسابقك+."
فسابقتُه فسبقتُهُ، فسكتَ عني حتى إذا حملت اللحم، وبدنت، ونسيت خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: تقدموا فتقدموا، ثم قال: =تعالي حتى أسابقك+.
فسابقته فسبقني، فجعل يضحك وهو يقول: =هذه بتلك+ [1] .
فهذا حوار مرح يُدْخِلُ _عليه الصلاة والسلام_ به الفرح إلى زوجه.
المثال الخامس: ما كان من لطفه _عليه الصلاة والسلام_ مع عائشة بالكلام، ومداعبته لها، حيث قال مرة: =إني لأعلم إذا كنت عنّي راضية، وإذا كنت عليّ غَضبى+.
قالت: ومن أين تعرف ذلك؟
قال: =أما إذا كنتِ عني راضية فإنك تقولين: لا وربِّ محمد، وإذا كنت غضبى قلت: لا وربِّ إبراهيم+.
قالت: قلت: أجل والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك. [2]
فما أطيب هذه المعاشرة، وما ألطف رسول الله"، وما أحسن خلق عائشة _رضي الله عنها_ مع زوجها الرسول الكريم". [3]
فهذا شيء من سيرته _عليه الصلاة والسلام_ في حواره مع زوجاته يتبين من خلاله ذوقه الرفيع، وقدرته على موائمة زوجاته، وإدخال السرور عليهن من خلال الحوار الهادئ الهادف.
(1) _ رواه أحمد (26320) وأبو داود (2578) .
(2) _ رواه البخاري (4930 و 5728) ومسلم (2439) .
(3) _ انظر زاد المعاد لابن القيم 1/ 151_152، وسيرة الرسول"مقتبسة من القرآن الكريم لمحمد عزة دروزة 1/ 68_96، ومحمد"المثل الكامل ص 251_259، وفقه السيرة لمحمد منير غضبان ص 643_676.