إن مشركي زماننا أغلظ شركًا ممن حاربهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كما قال المصنف الإمام رحمه الله تعالى فإنهم يشركون في الرخاء والشدة بل إنهم أشركوا مَن يعتقدون ولايتهم في الربوبية فقد اعتقدوا فيهم التصرف، والرزق، وجلب النفع، ودفع الضر، ويخافون ممن يعتقدون ولايته أكثر من خوفهم من الله تعالى، فإن بعضهم إذا طُلب منه القَسَم بالله على حق عليه قد جَحَده، فإنه يقسم ولا يتردد، لكن إذا طُلب منه الحلف بالحسين أو بغيره من الصالحين فإنه يخاف، ويتلعثم ويتلمّظ ويتلفّت يمينا وشمالا ويصفر وجهه ثم يقول: لا، لن أحلف بالولي الفلاني، ويعترف بالحق الذي عليه!!
هذا رأيته بعيني وسمعته بأذني، هكذا بلغ الشرك بهؤلاء، وقد حكى الله تعالى حال المشركين الذين بُعث فيهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأنهم يشركون في الرخاء فقط لكنهم في الشدة يضطرون إلى الله وحده، قال الله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65] ، وقال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: 67] ، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [يونس: 22، 23] ، وقال تعالى: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [لقمان: من الآية 32] .