فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 58

بما يتعرض له الشعب السوري من قتلٍ وتهجيرٍ ممنهجين طيلة سنتين كاملتين ظلت فرنسا خلالهما مكتوفة الأيدي تنظر إلى ما يجري على المسلمين هناك من البلاء نظر الشامت المتشفي، بينما سارعت في مالي إلى استعراض عضلاتها متحججةً بما هو منكر من القول وزور، بل بمجرد أن دخل الجيش الفرنسي الغازي إلى مدن (قاو، وتمبكتو، وكيدال) أطلق أيدي فلول الجيش المالي الموتور وشراذم من المليشيات العرقية الحاقدة على أهل البلد الأصليين فعاثوا في مدن وقرى الأزواد قتلًا ونهبًا وتشريدًا واغتصابا، ومن المستحيل وقوع تلك المذابح دون رضى فرنسا أو إشارةٍ منها وهي العارفة بما يحمله الجنود الماليين من حسائف وأحقادٍ على سكان الشمال.

ومما يدل على أنّ الأمر كان مبيتًا منعها أي تغطيةٍ إعلاميةٍ محايدة، مصرّةً على أن تكون هذه الحرب بلا صورٍ ولا شهود حتى لا يسمع العالم من الأخبار إلا ما تقوله هي، ولا يرى من المشاهد إلا ما تبثه هي.

أمتي الحبيبة: بعد أن ثبت لنا أنّ المبررات المعلنة لهذا الغزو الصليبي غير حقيقية لم يبق إلا أن نبحث عن دوافعه الخفية، ولا يحتاج المتابع للأحداث إلى بذل جهدٍ كبيرٍ ليكشف نوايا الحكومة الفرنسية من وراء هذا الغزو، والتي يمكن حصرها في أربعة دوافع أساسية:

الدافع الأول - وهو ديني:

إنّ عداوة فرنسا لدين الإسلام قديمة، فمنذ أن ظهرت هذه الدولة كقوةٍ عالميةٍ وانطلقت في حملاتها الاستعمارية الصليبية لم يتوقف عدوانها على المسلمين بل ظل مستمرًا إلى اليوم، ولو أنه بدأ في الأزمنة الأخيرة يأخذ أشكالًا يغلب عليها طابع الخبث والمكر والدهاء والنبش في البنية التحتية للحضارة والهوية الإسلامية قصد تخريبها وطمس معالمها، دون الإسراع لاستعمال القوة العسكرية، وما هذه الحرب الصليبية إلا دليلٌ آخر على تجذر تلك العداوة في قلوب الساسة الفرنسيين الحاليين والغابرين، الليبراليين والاشتراكيين، الوسطيين والمتطرفين، على حدٍ سواء.

الدافع الثاني - وهو تاريخي:

لا زالت فرنسا تصر على أنّ مستعمراتها القديمة -ومن بينها مالي- هي مناطق نفوذٍ خالصة لها من دون الدول الكبرى كالصين وروسيا وحتى الولايات المتحدة، فهي لأجل ذلك تتصرف مع تلك المستعمرات تصرف الوصي الذي يتدخل في كل شأنٍ من شؤونها صغيرًا كان أو كبيرا، داخليًا كان أو خارجيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت