قال تعالى: {الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}
وَقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ - كما في الصحيحين - لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ» ، قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا»
وأَخْرَجَ َالتِّرْمِذِيّ وابن حبَان عن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رضي الله عنه - قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ الله أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً قَالَ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ»
وإنَّ من أعظمِ ما يلزمُ المسلم المجاهد في هذه الفتنِ المتلاطمةِ، والابتلاءات المتراكمةِ، الصبرَ والثباتَ
قال الله تعالى {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ}
وقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
والمصابرة ُالمذكورةُ في الآية الكريمةِ مفاعلةٌ تقتضي المشاركةُ أي غالبوا أعداءكم في الصبرِ، فكما يصبرُ أهل الحقِّ على حقِّهم، كذلك يصبرُ أهل الباطل على باطلهِم،
يقول الله تبارك تعالى مبينًا ذلك: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا * إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا}
وقد قصَّ الله تبارك وتعالى علينا في كتابه الحكيم من قصص الثابتينَ الصابرينَ، ما فيه عبرةٌ للمعتبِرين، كما في قِصةِ سحَرةِ فرعون، الذين أَصْبَحُوا سَحَرَةً، وأمسَوْا شُهَدَاءَ. كما قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ. وكذلك في قصةِ أصحابِ الأخدُود الذين ذكرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - تفصيلَ قصَّتِهم وكيف اقتحَموا النار واختاروا الموت على الرجوعِ عن الحقِّ، كما جاء في الحديث الطويل الذي يرويه مسلم من حديث صهيبٍ - رضي الله عنه -.
أحبابنا أسودَ النِّزالِِ، ورجال الملاحمِ الأبطال، يا من تُعيدون الأمجاد وتَرسُمون مستقبل الإسلام، إنَّ من أعظمِ الأسبابِ المعينةِ على الثباتِ في عصرِ الفتنِ والمحنِ الاستعانةُ باللهِ عز وجلَّ، والاعتماد عليهِ وكثرةُ ذكرهِ سبحانه، والتضرعِ بين يديهِ جل في علاه، واجتناب نواهيهِ، والتزام أوامرهِ، والتحصنُ بالعلمِ النافع والعمل الصالحِ
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ}
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ}