لم يرد الله لهم الهداية، {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء] ، فبدأت العداوة لإبراهيم عداوة عقدية لا تعرف الرحمة؛ لأن العداوة العقدية يتقرب بها المعادي إلى مألوهه الذي فرض عليه العداوة، فكان الانتقام من إبراهيم بأعلى مقامات الانتقام والقتل؛ {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} [الأنبياء] ، وهذا هو الابتلاء العظيم الذي يمر به الموحدون عندما يصدعون بالتوحيد ويدعون إليه، فماذا كان حال إبراهيم عليه السلام عندما هُدِّد بإلقائه في النار، هل تراجع وقدّم الاعتذارات؟! أم ضعف وطلب المحاورات والنقاشات؟! لم يقل ولم يفعل سوى الاحتساب والصبر، والإيمان والتوكل على الله عز وجل وحسن الظن به سبحانه، وأجمل ذلك كله في قوله عليه السلام كما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (حسبي الله ونعم الوكيل) ، {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران] ، فإذا بالكرامة الإلهية من الله سبحانه وتعالى، أن خاطب النار مباشرة {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} [الأنبياء] ، فأكرمه الله سبحانه بآية من آياته، وهي سلب خاصية الحرق التي في النار، فأصبحت النار بردًا وسلامًا لم يتأذَّ منها عليه السلام، فعندما يبتلى المؤمن الموحد من أجل توحيده ثم يصبر على البلاء ويحسن التوكل على الله، تأتيه الكرامات من الحي القيوم من الله سبحانه وتعالى بالفَرَج من حيث لا يحتسب؛ لأن الله جل وعلا يقول: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس] ، فعندما يرى المؤمن هذه الكرامات وهذه المعية من الله الحي القيوم يزداد إيمانًا وثباتًا على دينه ودعوته.
ثم انتقل إبراهيم عليه السلام من هذا الابتلاء الذي كان فيه قتل النفس إلى ابتلاءٍ آخر، فقد أخرجه قومه من أرضه وموطنه حتى لا يؤثّر على جيله وتنتشر دعوته، قال سبحانه: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات] ، وكان هذا الخيار هو دائمًا ما يفعله الطواغيت مع الأنبياء والرسل من نوح إلى موسى عليهما السلام قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [إبراهيم] .
فأخرجوه عليه السلام وكانت معه زوجته سارة، فوصل إلى دولة كافرة مشركة بالله تعالى، وكان لهذه الدولة قانونًا ونظامًا وضعه وشرّعه طاغوتهم، وكان من ضمن هذا النظام أن الرجل إذا دخل الدولة ومعه زوجته لا بد أن ينام معها الطاغوت، وإذا كان معه امرأة غير زوجته فلا يفعل شيئًا، وهذه صفة مشتركة في جميع الطواغيت؛ أي كسر كل معاني الغيرة والرجولة وأثرها من قلوب الرجال، حتى يصيّروهم عبيدًا في خدمتهم لا ينازعونهم في ملكهم ولا يجادلونهم في غيّهم وطغيانهم، فعندما رأى عسكرُ هذه الدولة إبراهيمَ معه زوجته سارة عليهما السلام، رأوا جمالًا قد وضعه الله فيها، وحسدوه عليها، وسألوه عنها، فقال لهم: هي أختي، كلمة يتقي بها شرهم على عرضه، ولكنهم عندما رأوا جمالها ذهبوا إلى طاغوتهم أخبروه وأغروه بها بقولهم أنها لا تنبغي لأحد غيرك، فخالف قانونه ونظامه الذي وضعه من أجل شهوته، وهذه هي طبائعهم في قوانينهم، وأنها لا تنفذ عليهم، فأمر أن يحضروها إليه فأخذوها من عند زوجها، وأدخلوها على الطاغوت الذي يشتهر عنه أنه زان وحرسه على بابه