يحرسونه، فماذا كان من إبراهيم عليه السلام في هذا الابتلاء، وماذا فعلت سارة عليها السلام التي تربت على يدي إبراهيم إمام الحنفية، أما إبراهيم فرجع إلى الله الذي أنقذه من الموت وجعل النار بردًا وسلامًا عليه، وبدأ يدعو بأن يحفظ الله له عرضه وأن ينجي الله زوجه، وأما سارة فقامت تدعو ربها وتسأله سبحانه بتوحيدها وإيمانها برسوله وبحفظ فرجها إلا على زوجها أن يحفظها ويكفيها شر هذا الطاغوت، فكان الطاغوت كلما أراد بها سوءًا ومد يده إليها جمّده الله بالأرض وأيبس يده، فإذا به يتذلّل راجيًا من أمة الله المؤمنة الموحدة التي صانت فرجها إلا على زوجها بأن تدعو الله له أن يفك عنه ما هو فيه، وتكرر هذا الموقف ثلاث مرات كلما مد يده إليها بسوء جمّده الله وأيبس يده، وفي الثالثة أمر جنوده بعد أن وبّخهم أن يخرجوها ويعطوها خادمة تخدمها، فكانت المصطفاة هاجر عليها السلام بأن تكون خادمة لأكرم بيت وأعظم بيت قوامه التوحيد، فخرجت سارة من قصر ذلك الطاغوت وقد صان الله عرضها وحفظ عليها شرفها وأكرمها بجارية تخدمها وعادت إلى إبراهيم عليه السلام بهذه الكرامة من الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام قط إلا ثلاث كذبات، ثنتين في ذات الله، قوله {إني سقيم} ، وقوله {بل فعله كبيرهم هذا} ، وواحدة في شأن سارة، فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة وكانت أحسن الناس، فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنكِ امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلمًا غيري وغيرك، فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار أتاه فقال له: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها فأتى بها، فقام إبراهيم عليه السلام إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة، فقال لها، ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك، ففعلت، فعاد فقبضت أشد من القبضة الأولى، فقال لها: مثل ذلك، ففعلت، فعاد فقبضت أشد من القبضتين الأوليين، فقال: ادعي الله أن يطلق يدي فلك الله أن لا أضرك، ففعلت، وأطلقت يده، ودعا الذي جاء بها، فقال له: إنك إنما أتيتني بشيطان ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي، وأعطها هاجر، قال: فأقبلت تمشي، فلما رآها إبراهيم عليه السلام انصرف فقال لها: مهيم (أي: ما شأنك وما خبرك) ، قالت: خيرًا، كف الله يد الفاجر، وأخدم خادمًا" [رواه مسلم] ، وفي رواية، أنها قالت عندما دخلت على الطاغية"اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط عليَّ الكافر" [رواه الإمام أحمد] .
يُستفاد مما ذكر:
أن التوحيد والدعوة إليه لن تواجه بالقبول في مجتمع يخالفها، وأن الابتلاء الذي سيواجه الدعاة الموحدين لن يكون أقل من القتل بأعلى مقامات القمع؛ كما فعلوا بإبراهيم عليه السلام عندما أرادوا أن يقتلوه، وكانت طريقة القتل حرقًا بالنار، وقد بين الله سبحانه وتعالى أن الأجر على هذا الابتلاء في آية عظيمة والصفقة الكريمة في كتابه سبحانه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة] ، وقد بين صلى الله عليه وسلم أن القتل من أجل لا إله إلا الله وإعلاء لكلمة الله لا يجد منها الشهيد إلا كما القرصة، عن