الوثني كان إبراهيم يدعو إلى التوحيد، وينكر الكفر ويبيّن عجز آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، وهو ما زال فتىً في بداية عمر شبابه، وأصبح المجتمع يسمع بإبراهيم ويعرفون عقيدته ومنهجه، ولكنهم أبوا أن يوحدوا ويتركوا عبادة آلهتهم، فبدأ إبراهيم عليه السلام يرتب عملًا باليد بعد الإنكار باللسان؛ ليزيل أكبر منكر يعصى به الله سبحانه، وهو الشرك بالله بالآلهة التي لا تضر ولا تنفع بعدما قرّر إبراهيم أن يبدأ العمل باليد وهو تكسير الأصنام، فلم يذهب مباشرة إلى الأصنام ليكسرها، ولكنه بدأ بالترتيب لذلك.
دراسة الواقع:
إن تكسير الأصنام سيأخذ وقتًا، وسيكون له صوت، وسيكون عليه حراسة وهم السدنة، فلا بد أن يكون هناك وقت مناسب يتخلص من هذه الإشكاليات وهي الوقت والصوت والحراسة، فكان لا بد من دراسة الواقع والحال، وأن لكل دولة أوقات أو مناسبات يكون فيها ارتخاء أمني؛ يستطيع الرجل التنظيمي فيه أن يحدد هذه الأوقات عندما يكون هناك دراسة للدولة سياسيًّا واجتماعيًّا وجغرافيًّا، فإبراهيم عليه السلام كان مجتمعه الوثني ذا طقوس دينية متعارف عليها في مجتمعه، وتؤدَّى جماعيًّا، وهي يوم عيد، فاختار هذا اليوم لتنفيذ العمل، فعندما جاء هذا اليوم طلب منه قومه الذهاب معهم لتأدية هذه الطقوس الدينية، فتعذّر بعذر مقبول إيهامًا لهم {فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات] ، أي: إني مريض، {فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ} [الصافات] ، فذهب القوم إلى تأدية طقوسهم الدينية بعدما تركوا طعامًا لآلهتهم، وذهب إبراهيم ليؤدي عبادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، {فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ*مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ} ، {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} [الصافات] ، {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء] ، فكان الوقت مناسبًا، وفيه متسع للعمل بأن يتم قبل أن ينكشف، وكان آمنًا من سماع الصوت حيث إن المكان خالي من البشر، وليس هناك حارس يحرس أو رقيب، فأتم عليه السلام عمله، ثم رتب طريقة للحوار؛ لكي يوصلهم إلى قناعاته العقدية وحقيقة دعوته التوحيدية، فجعل المعول معلقًا على كبيرهم -كبير الأصنام- الذي أبقاه حتى يكون شاهدًا على عجزه عن الدفاع عن نفسه وعن غيره، فلما عاد القوم إلى أصنامهم ليتبركوا، وجدوا أصنامهم قد كُسّرت، ولم يبق إلا كبيرهم، وبدأ السؤال {فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ} [الصافات] ، {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء] عظمًا وفضاعةً بما حلّ بها، فكان الجواب مباشرة {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء] فلم يقولوا إبراهيم بن فلان، وإنما قالوا فتًى {يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} تصغيرًا لحاله، ولم يكن في ذلك الوقت من البشر أحد ينابذ الشرك ويدعو إلى التوحيد سوى إبراهيم عليه السلام، فأجمعوا عليه بالتهمة، {قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} [الأنبياء] ؛ ليسترهبوه عندما يرى أن القوم بأكملهم رئيس ومرؤوس قد اجتمعوا ليدافعوا عن آلهتهم التي حطمها عليه السلام فعندما بدأ الحوار والسؤال {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء] ، فأجاب برد يجعلهم بين خيارين؛ إما أن يصدقوا دعوته عليه السلام ويكذبوا أنفسهم، وإما أن يستكبروا قال تعالى: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} [الأنبياء] ، فكان نتيجة لهذا الجواب الذي رتبه ملازمًا لعمله أن {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} [الأنبياء] ، أي: أنهم صدقوا إبراهيم وعلموا يقينًا أن دعوته الحق، ولكن {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} [الأنبياء] ،