بل إن الصحابيات رضي الله عنهن كن يتمنين الشهادة في سبيل الله في أعظم موضع يحبه الله ليقبلن عليه وهو راضٍ عنهن رضي الله عنهن، فقد روى البخاري عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّه سمعه يقول: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَاءٍ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ:"نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ، أَوْ قَالَ: مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ -شَكَّ إِسْحَاقُ-"قُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا، ثمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:"نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ"، فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ:"أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ"، فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ زَمَانَ مُعَاوِيَةَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ) .
فانظرن كيف بشرها الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه المنزلة العظيمة، بل دعا لها، وكيف هي كررت الطلب مرة أخرى حرصًا منها على هذه الأجر العظيم، الذي لا يحرص عليه إلا من كمل إيمانه واشتاق قلبه إلى الله الواحد الأحد والرحيل إلى الجنان التي وعد الله المجاهدين بها إن قتلوا في سبيل الله.
فلا تحزنّ يا نساء الإسلام والجهاد في هذا الزمن الذي أصبح فيه المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، فالأصل أن تكون أم صهيب وأم الرباب وأم الزبير، ومن معهن من أخواتنا في السجون -ثبتهن الله وفرج عنهن- أن يعاملن كما عامل عمر بن الخطاب أم سليط رضي الله عنها، كما في صحيح البخاري عن ثعلبة بن أبي مالك، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قسم مروطًا بين نساء من نساء المدينة، فبقي مرط جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين أعط هذا ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عندك، يريدون أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: (أم سليط أحق، وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، قال عمر: (فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد) ، (تزفر: تخيط) .
فلم ينس عمر رضي الله عنه فضل أم سليط بعد طول السنين في ذلك الموقف المشرف الذي وقفته أم سليط رضي الله عنها مع الإسلام والمسلمين، مجرد خياطة القرب للمجاهدين في تلك المعركة، فالحمد لله رب العالمين أن حفظ لنا الدين من زمن نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى يومنا هذا حتى نراه واضحًا بيِّنًا عظيمًا في دروسه، ولم نعرفه فقط من هؤلاء العلماء الذين هم على دين الملك لا على دين الله إلا من رحم الله منهم.