يقول شيخ الإسلام ابن تيمية الحرّاني في: (الرد على البكري) (ص: 260) : (فلهذا كان أهل العلم والسنّة لا يُكفّرون مَن خالفهم وإن كان ذلك المخالف يُكفّرهم؛ لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك أو زنى بأهلك {والعياذ بالله} ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله، لأن الزنا والكذب حرام لحقّ الله تعالى، وكذلك التكفير حقٌ لله تعالى، فلا نُكفّر إلا من كفّره الله ورسوله، وأيضا فإن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوفٌ على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها، وإلا ليس كل مَن جهل شيئًا من الدين يكفر ... ) [1] .
وقد التزم أهل السنة بموجب هذه التوجيهات فعُرفوا باحتياطهم في التكفير رغم أن أغلب الفرق - باستثناء المرجئة - تتساهل في المسألة، بل وتكفّر أهل السنة، يقول شيخ الإسلام-رحمه الله تعالى-في: (الفتاوى) (3/ 229) : (إني من أعظم الناس نهيًا [2] عن أن يُنسَب مُعيّن إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلا إذا عُلم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية) .
ويقول: (ولهذا كنت أقول للجهمية الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطابًا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم) [3] ! (الرد على البكري) (ص: 46) .
فهذا أنموذج عظيم للتطبيق العملي لهذا المبدأ وفيه رد عملي على أدعياء العلم من المبتدعة الذين يزعمون أن شيخ الإسلام يُكفّر المسلمين، إلى آخر هذا الكلام المستند إلى الهوى والتعصب.
وإليك أنموذجًا آخر للتطبيق العملي لهذا المنهج وهو موقف الإمام أحمد إمام أهل السنة-رحمه الله تعالى-من أعيان الجهمية [4] ممن آذوه، ودعوا الناس إلى بدعتهم وعاقبوا مخالفهم الجهمية: إن القرآن مخلوق، و إن الله لا
(1) -فال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (هذا الكلام الذي ذكر الدكتور المحيسني، مثله في:(تلخيص كتاب: الاستغاثة، المعروف: بالرد على البكري) (ص:259) ، و (مجموع الفتاوى) (3/ 245) ، و (منهاج السنة) (5/ 92/244) -و (الفصل) (3/ 248/249) للإمام ابن حزم).
(2) -فال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (وقبله قال:"... هذا مع أني دائمًا ومن جالسني يعلم ذلك مني أني من أعظم الناس نهيًا") .
(3) - فال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (هذا الكلام الذي ذكر الدكتور الفاضل عبد الله المحيسني، ذكره ابن تيمية في مواضع من كتبه في:(مجموع الفتاوى) (23/ 326) ، و (الاستغاثة الكبرى) (1/ 383/384) ، انتهى من هامش كتابي: (العقيدة الصحيحة تيسير وتوضيح) (ص:1288) ، و (نواقض الإيمان القولية والعملية) (ص:53) للشيخ عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف).
(4) -فال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (س: الجهمية نسبة إلى ماذا؟ ج: الجهمية نسبة لجهم بن صفوان الراسبي مولاهم، أبي محرز السمرقندي(ت:128هـ) .
س: متى ظهرت الجهمية؟ ج: الجهمية ظهرت في عصر التابعين، في آخر عهد بني أمية، أي: في بداية القرن الثاني الهجري، وكان الجهم قد تلقى مقالته عن الجعد بن درهم.
س: ما هي أهم عقائد الجهمية؟
1 -ج: نفي الأسماء والصفات، على أن لجهم قولًا آخر بإثبات اسم القادر والفاعل والخالق، لأن العبد عنده لا يسمى قادرًا ولا فاعلًا-كما في: (مجموع الفتاوى) (8/ 460) ، و (12/ 202) ، و (منهاج السنة) (2/ 527) ، و (درء التعارض) (5/ 187) ، و (مقالة التعطيل) (ص:29) ، و (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) (1/ 359 - تحقيق: سفر الحوالي) ، و (سير أعلام النبلاء) (6/ 26) ، و (الفصل) (4/ 204) لابن حزم.
2 -القول بالجبر.
3 -القول بالإرجاء.
4 -القول بخلق القرآن.
س: يقول أهل العلم بالتوحيد إن الجهمية جمعت بين ثلاث بدع كبرى ما هي يا ترى؟ ج: نعم الجهمية جمعت بين ثلاث بدع كبرى وهي:
1 -بدعة التعطيل،
2 -وبدعة الجبر.
3 -وبدعة الإرجاء.
فهم يقولون: (القرآن مخلوق) ، و (ينكرون الأسماء والصفات) ، و (الإيمان عندهم عقد القلب فقط، وهو المعرفة فقط) -كما في هامش: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) (1/ 359 - تحقيق: سفر الحوالي) ... ).