وإذا الحبيب أتى بذنب واحد* جاءت محاسنه بألف شفيع [1]
وقد كان العلامة محمد الأمين الشنقيطي يقول: (اعلم أنك إن متَّ ولم تقل في فرعون شيئًا لم يؤاخذك الله تعالى بذلك يوم القيامة) [2] .
الشيخ الشنقيطي لا يقصد أن من لا يكفره لا يؤاخذه الله، لكنه يرد على من يقول: يجب أن تصرح بالكفر بالطاغوت دون أن تنظر إلى حال الاستضعاف، وكفره معلوم من الدين بالضرورة فلا نشتغل في كل مجلس بتكفيره.
ونحن نعلم أن التكفير والتفسيق حكم شرعي، وأن الشاب المتسرع الذي يكفر مسلمًا وقع في كفر جهلًا، يفتات على الشرع، ويجزم أن هذا هو حكم الله ورسوله.
وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم وغيرهما قالوا: إن (لفظ"الشرع"يقال في عرف الناس على ثلاثة معان:
"الشرع المنَزَّل": وهو ما جاء به الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، وهذا يجب اتباعه، ومن خالفه وجبت عقوبته.
والثاني:"الشرع المؤَوَّل": وهو آراء العلماء المجتهدين فيها، كمذهب مالك ونحوه، فهذا يسوغ اتِّبَاعه، ولا يجب، ولا يحرم، وليس لأحد أن يُلزم عموم الناس به، ولا يمنع عموم الناس منه.
والثالث:"الشرع المُبَدَّل": وهو الكذب على الله ورسوله، أو: على الناس، بشهادات الزور ونحوها، والظلم البين؛ فمن قال: إن هذا من شرع الله فقد كفر بلا نزاع، كمن قال: إن الدم والميتة حلال ولو قال: هذا مذهبي ونحو ذلك" [3] ."
وقال أبو الأعلى المودودي-رحمه الله تعالى: (يجب ملاحظة قضية تكفير المسلم والاحتياط في هذه المسألة احتياطًا كاملًا، احتياطًا يتساوى مع الاحتياط في إصدار فتوى بقتل شخص ما، وعلينا أن نلاحظ أنَّ في قلب كل مسلم-يؤمن بالتوحيد و"لا إله إلا الله"-إيمانًا، فإذا صدر عنه شائبة من شوائب الكفر فيجب أن نحسن الظن ونعتبر هذا مجرد جهل منه وعدم فهم، وأنه لا يقصد بهذا التحول من الإيمان إلى الكفر لأنه لا يجب أن نصدر ضده فتوى بالكفر بمجرد أن نستمع إلى قوله، بل: يجب أن نفهِّمه بطريقة طيبة ونشرحَ له ما أُشكل عليه، ونبيّنَ له الخطأ من الصواب، وإذا أصر على ما هو عليه، ولم يقبل ما عُرض عليه بعدها نلجأ إلى كتاب الله فنوضح له خطأ ما أصر عليه في ضوء كتاب الله ونبيّن له النصوص الصريحة التي تفرق بين الكفر والإيمان، فإذا أصر وخالف
(1) -انظر: (مدارج السالكين) (1/ 328) ، و (كيف تصير عالمًا في زمن النت؟) (ص:71) .
(2) -انظر: (الإكفار والتشهير ضوابط ومحاذير) (ص:33) .
(3) -انظر: (مجموع الفتاوى) (3/ 268) .