والبعض يظن على أن إيمانه لا يكون صحيحًا إذا لم يكفر عباد الله الصالحين، بدون توقف ولا تبيُّن [1] ، ولا تثبت، ولا ورع، ولا برهان، بل: ويكفرون العلماء الكبار بمجرد خطأ، ولعله خطأ في نظره، وإلا فهو محض الصواب.
يقول شيخ الإسلام بن تيمية في: (مجموع الفتاوى) (20/ 163/164) : (ولهذا تجد قومًا كثيرين يحبون قومًا ويبغضون قومًا لأجل أهواء لا يعرفون معناها، ولا دليلها، بل: يوالون على إطلاقها، أو: يعادون من غير أن تكون منقولةً نقلًا صحيحًا عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وسلف الأمة، ومن غير أن يكونوا هم يعقلون معناها، ولا يعرفون لازمها و مقتضاها.
وسبب هذا: إطلاق أقوال ليست منصوصةً، وجعلها مذاهب يُدعى إليها، ويوالى ويعادى عليها، وقد ثبت في: (الصحيح) أن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-كان يقول: في خطبته: (إن أصدق الكلام كلام الله ... ) [2] .
(1) -قال الحسن البصري: (المؤمن وقاف حتى يتبين) .
انظر: (مجموع الفتاوى) (10/ 382) ، و (الإحكام في قواعد الحكم على الأنام) (ص:15) ، و (ذاكرة سجين مكافح) (2/ 138) .
(2) -فائدة: ذكرت في هامش: (التوضيحات الجلية لأبيات البردة والهمزية المردية) (ص:5/ 6/7) بقلمي وقلم شيخنا العلامة أبي خبزة، طبع مكتبة العلوم والحكم، وهامش كتابي: (حوار هادئ مع الأستاذ عبد السلام ياسين) (ص:13/ 15) : ( ... رواه مسلم في:"صحيحه"كتاب الجمعة(2/ 496) ، وهذه تسمى خطبة الحاجة، وقد وردت عن ثمانية من الصحابة، جمع ألفاظها وطرقها: المحدث الألباني في رسالة أسماها: (خطبة الحاجة) ، إلا أن الشيخ مصطفى العدوي خالف الشيخ الألباني فيما ذهب إليه من التزامها عند كل كتاب، وكل محاضرة الخ، ويرى البعض أنها مقدمة للخطب والمحاضرات، دون الرسائل والكتب، وحجته في ذلك رسائله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-إلى الملوك وأمراء القبائل، وكذا دأب العلماء القدماء في كتبهم، والصحيح عندي التنوع، ومن لم يفعل فلا إثم ولا تثريب عليه، وهذه الخطبة شرحها ابن تيمية في رسالة مفردة، وعلق عليها شيخنا العلامة عبد الفتاح أبو غدة، ولي عليها تعليقات كتبتها داخل زنزانتي الانفرادية بالسجن المحلي بتطوان.
وقد َوردت هذه الخطبة عنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ-رضي الله عنهما-قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ-ثُمَّ يَقُولُ-وفي رواية: (يقوم فيخطب، فيحمد الله ويثني عليه بما هو أهلٌ له) ويَقُولُ-: (مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، إِنَّ خيرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخيرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ،(وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ وَكُلُّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ) .كَانَ إِذَا ذَكَرَ السَّاعَةَ احْمَرَّتْ عيناهُ، وَعَلاَ صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ كَأَنَّهُ مُنذِرُ جَيْشٍ (يَقُولُ) : (صَبَّحَكُمْ ومَسَّاكُمْ، ومَنْ تَرَكَ مَالًا فلورثته، وَمَنْ تَرَكَ ضَيَاعًا، أو: ديْنًا فَعَلَيَّ وإليّ، وَأَنَا(أ) ولَى (بِـ) الْمُؤْمِنِينَ). وفي رواية: (بكل مؤمن من نفسه) .
أخرجه مسلم في: (صحيحه) (3/ج6/ 153/156 كتاب الجمعة باب: خطبته-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-في الجمعة-مع النووي-و(2/ 506/509/رقم:739/ 740 - كتاب الجمعة، 6 - باب: ما يقال في الخطبة ورفع الصوت بها-مع المفهم) ، و (3/ 268/27/رقم:867/أو:41/ 42/43/ 44/45 - مع الإكمال) .
وأحمد في مواضع من (مسنده) (22/ 237/رقم:14334) ، و (23/ 234/رقم:14984 - ط: مؤسسة الرسالة) والسياق له، ورواه مختصرًا في: (22/ 64/رقم:14158) ، و (22/ 320/رقم:14431) ، و (22/ 467/رقم:14630) .
وأبو داود في: (سننه) (2/ 591/592/رقم:2118 - كتاب النكاح 6 - باب: 33) .
والترمذي في: (جامعه) (3/ 413/414/رقم:1105/ 1111/كتاب النكاح 9 - باب:17) .
والنسائي في: (سننه) (2/ 184/رقم:1571/ 19 - كتاب: صلاة العيدين، 22 - باب: كيف الخطبة؟ -من مطبوعات دار الفكر) ، أو: (6/ 89/ كتاب النكاح:26) .
ورواه أيضًا في: (السنن الكبرى) (5/ 384/385/رقم:5861 - 35: الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى العالم ما يكره) ، و (التحفة) (رقم:2599) - (صحيح سنن النسائي) (1/ 512/رقم:1577 - من مطبوعة: مكتبة المعارف، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني) -.
وابن ماجه: (كتاب المقدمة 7 - باب: اجتناب البدع والجدل 1/ 46/47/رقم:45) ، أو: (15 - كتاب الصدقات،13 - باب من ترك دينًا أو: ضياعًا فعلى الله وعلى رسوله 2/ 358/359/رقم:1892/ 2415/2417) .
ورواه عبد الرزاق في: (المصنف) (6/ 187/188/رقم:10449 - موقوفًا) .
والدارمي في: (سننه) (كتاب المقدمة 23 - باب: في كراهية أخذ الرأي) (1/ 49/رقم:206 - مختصرًا) .
والبيهقي في: (السنن الكبرى) (3/ 213/214) ، و (7/ 146) ، وفي: (الأسماء والصفات) (ص:82) ،
ورواه الطبراني في: (المعجم الكبير) (10/ 98/99/رقم:10079/ 10080) ، و (10/ 211/212/رقم:10499) وتوسع المحقق في تخريجه في الهامش-راجعه ففيه متعة وفائدة.
وأبو يعلى في: (مسنده) (1/ 233/243) ، والطيالسي (رقم:1557) ، والطحاوي (1/ 4) ، والبزار (1/ 314) وقد تكلم على طرقه المحدث الألباني في: (خطبة الحاجة) (21/ 22/29) -) -وقد شرحها شيخ الإسلام ابن تيمية في جزء مفرد-وقام بالتعليق عليها وتخريج أحاديثها شيخنا أبو غدة، ووقد سرق تعليقاته المدعو سليم الهلالي كعادته من غير حمد ولا شكور، وتجدون الشرح في: (مجموع الفتاوى) (18/ 285/290) ، وله نتف حول الحديث في المصدر نفسه: (14/ 222/223/ 261/265) ، وقد حال على الشرح في كتابه: (حقيقة الصيام) (ص:9) ، كما شرح بعض ألفاظه ابن القيم في مواضع من كتبه مثل: (إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان) (1/ 74) ، و (بدائع الفوائد) (1/ 13) ، و (2/ 83/84/ 177/178/ 325) ، و (2/ 424/435) ، و (طريق الهجرتين) (1/ 166) ، و (شفاء العليل) (1/ 65/81) ، و (زاد المعاد) (1/ 87) ، و (مدارج السالكين) (1/ 96/220/ 307/308) ، و (الوابل الصيب) (ص:176) ، وكذا الحافظ ابن رجب في: (فتح الباري) (5/ 484) وغيرهم كثير، وأخيرًا اعتنى بشرح ألفاظها شيخنا العلامة أبو غدة في جزء لطيف، وشيخنا العلامة محمد ابن صالح العثيمين في مواضع من كتبه مثل: (الشرح الممتع) (3/ 99/100) ، و (4/ 58) ، و (شرح ثلاثة الأصول) (62/ 63) ، و (فتاوى نور على الدرب) (1/ 318) ، و (مجموع الفتاوى والرسائل) (5/ 182) ، و (7/ 125) ، و (8/ 225) ، وكذا قام بشرحها الشيخ عبد الرحمن البراك، وللعبد الضعيف تعليقات عليها.
وقد جمع شروح هؤلاء الشيخ أبو عبد الله ربيع بن زكرياء تحت عنوان: (مصباح الزجاجة في شرح خطبة الحاجة للعلامة الألباني) وتوسع في تخريج ألفاظها في مجلد يقع في (272 - صفحة) .
وأبو نعيم في: (الحلية) (3/ 189) والزيادة الأولى له وللنسائي-في: (سننه) (6/ 89) -وإسنادها صحيح على شرط مسلم، والزيادة الثانية له وللبيهقي، والثالثة والرابعة لأحمد، والزيادة الثانية لمسلم وصححها الألباني في مواضع من كتبه منها:
1 - (صحيح سنن ابن ماجه) (1/ 14/رقم:43/ 45) ،
2 -و (الإرواء) (3/ 73/رقم:608) ،
3 - (مشكاة المصابيح) (5 - باب: الاعتصام بالكتاب والسنة، وغيرها-1/ 51/رقم:141) .
ورواه ابن حبان في: (صحيحه) (1/ 106/107/رقم:10) ، وأخرجه مسلم (867) ، (43) ، في المقدمة باب: اجتناب البدع والجدل.
والبيهقي في: (السنن الكبرى) (3/ 306) من طرق عن عبد الوهاب الثقفي بهذا الإسناد و (تحفة الأشراف) (2/ 274) ، وزاد: (وكل ضلالة في النار) ، والرَّامَهُرْمُزِي في: (الأمثال) (ص:19) ، والبغوي في: (شرح السنة) (رقم:4295) ، من طريق سفيان، وسليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد به، وصححه ابن خزيمة في: (صحيحه) (1785) ، ومحمد بن أيوب الضريس في: (فضائل القرآن) (ص:49/رقم:71) ، عن ابن مسعود رضي الله عنه.
وزعم بعض أهل العلم، أن قوله-عليه الصلاة والسلام-: (وكل ضلالة في النار) : زيادة شاذة، وقد تفرد بها عتبة بن عبد الله، أخرجها النسائي في: (سننه) (3/ 188) ، وابن خزيمة في: (صحيحه) (رقم:1785) ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في: (مجموع الفتاوى) (19/ 191) : (لم يقل-أي النبي-عليه الصلاة والسلام-:"وكل ضلالة في النار"-إلا أنها ثبتت عن عمر-رضي الله عنه-أنه كان يقولها، كما ذكر ابن وضاح في:(البدع والنهي عنها) (ص:24) ، أو: (ص:62/رقم:56) بسنده إلى ابن عمر، وسنده حسن)، وأخرجه ابن نصر في: (السنة) (78) ، وابن عبد البر في: (الجامع) (رقم:1054) ، والشيخ الألباني يرى أن هذه الخطبة من السنن المهجورة، كما قلده أحمد بن عبد الملك الزغبي في: (السلفيون يحذرون من بدع أهل الزمان في القرآن) (ص:6) ، و (السنن المهجورة والبدع المنشورة) -وأظن أن هذا فيه نوع مبالغة، لأن النبي-عليه والصلاة والسلام-لم يداومها، ولا الصحابة، ولا التابعون، وهذا معلوم من خلال خطبهم في كتب السنة، وكتب التاريخ شاهدة على ما قلنا، وللتخريج بقية، وفيما ذكرنا كفاية.
وقال أبو نزار محمد دحروج في هامش: (فتح اللطيف على قسم الضعيف-لعلي المجدولي) (ص:25/ 26) : (فائدة: اعتاد كثير من المصنفين من أهل هذا العصر أن يبدأوا تواليفهم بخطبة الحاجة، ومن تأمَّل مقدمات السلف-رضوان الله عليهم-علم أنهم لم يتلزموا بهذا الأمر، بل: لم يفعله أحد من أساطينهم"فعلم أنها مقصورةٌ-لمن تمسك بالسنة-على افتتاح الخُطب، لا على افتتاح التصانيف"على حد قول الدكتور محمد زكي عبد الدايم، بحاشية الصفحة الأولى من مقدمة تحقيقه لكتاب:(إتحافُ الحثيث بإعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث) لأبي البقاء العُكبري (ت:616) .
قلت: وانظر على سبيل المثال: (الرسالة) (ص:7/ 8) للإمام الشافعي، و (معرفة علوم الحديث) (ص:1) للحاكم، و (الكفاية في معرفة أصول علم الرواية) (1/ 47) للخطيب البغدادي، و (الإلماع) (ص:29) للقاضي عياض، و (علوم الحديث) (ص:5) لابن الصلاح، و (المنهاج شرح مسلم ابن الحجاج) (1/ 13/14) للإمام النووي، و (هدي الساري) (ص:2) للحافظ ابن حجر).