ب) وأما المجسمات: فعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال:"إن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ حريرًا فجعله في يمينه وأخذ ذهبًا فجعله في شماله: ثم قال:"إن هذين حرام على ذكور أمتي ... حل لإناثهم" [1] ."
ولقد انتهج الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا الأسلوب في التعليم عندما كان يعلم الصحابة الصلاة حيث قال بعد ما فرغ من الصلاة ذات يوم:"أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي" [2] .
كل هذه الوسائط والأساليب من قبيل الرحمة بالمتعلمين، تبين لك عظيم رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على عظم قدر العلم والمعرفة والثقافة في نفس محمد - صلى الله عليه وسلم -، وتقديره البالغ لرسالة التربية والتعليم، وممارسته الماهرة لشتى الوسائل التي تفيد المنظومة التربوية ..
المبحث السادس
خدمة الإنسانية
المطلب الأول: محمد - صلى الله عليه وسلم - خادم الإنسانية:
وفي رعايته للإنسانية وحقوق الإنسان مظهر آخر من مظاهر رحمته - صلى الله عليه وسلم - ..
لقد عاش النبي - صلى الله عليه وسلم - حياته يخدم الإنسان، ويهذب الإنسان، ويعلم الإنسان، ويدافع عن الإنسان .. !
لقد كان إنسانًا بكل ما في الكلمة من معان. وكانت سعادة نفسه ورضاها، في كونه إنسانًا، يأكل كما يأكل العبد، ويلبس كما يلبس العبد، يسأل ربه دومًا أن يحيه مسكينًا وأن يمته مسكينًا، وأن يحشره في زمرة المساكين .. و لا يأنف أن يطمئن رجلًا دخل علي حضرته - صلوات الله وسلامه عليه -، وقد ارتعدت أوصال الرجل، من شدة هيبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ظنًا منه أنه إنما دخل على جبار أو ملك، والنبي يهدئ من روعه قائلًا:
"هون عليك! فإني لست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد!" [3] .
"لقد كان محمد [- صلى الله عليه وسلم -] أنموذجًا للحياة الإنسانية بسيرته وصدق إيمانه ورسوخ عقيدته القويمة. بل مثالًا كاملًا للأمانة والاستقامة وإن تضحياته في سبيل بث رسالته الإلهية خير دليل على سموّ ذاته ونبل مقصده وعظمة شخصيته وقدسية نبوته ... وما حياة الرسول [- صلى الله عليه وسلم -] سوى سلسلة وقائع تاريخية عظيمة الشأن نبيلة المرمى يتجلى فيها مقامه السامي من الحلقة الإنسانية" [4] ..
(1) صحيح - رواه أبو داود في كتاب اللباس، كتاب في الحرير للنساء، رقم 3535، وقال الألباني: صحيح.
(2) صحيح - رواه البخاري في كتاب الصلاة، بَاب الْخُطْبَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ، رقم 866.
(3) صحيح - رواه الحاكم عن أبي مسعود، رقم 3692، قال الألباني في السلسلة الصحيحية (1876) : صحيح.
(4) أحمد سوسة: في طريقي إلى الإسلام ص 1/ 174 - 175.