كما قام صناديد قريش بتعذيب العديد من النساء اللائي أسلمن [1] ، وضربن أروع الأمثلة في الثبات والصبر والاعتزاز بدعوة الإسلام، وكانت من بينهن زِنِّيرَةُ - أمَة رومية قد أسلمت فعُذبت في الله، وأُصيبت في بصرها حتى عميت-، وأسلمت جارية عمر بن مؤمل من بني عدى، فكان عمر بن الخطاب يعذبها ـ وهو يومئذ على الشرك ـ فكان يضربها حتى يفتر، وممن أسلمن وعُذبن أيضًا: أم عُبَيْس والنهدية وابنتها.
ويتحدث العلامة آتيين دينيه [2] ، عن مأساة المسلمين في هذه الفترة، قائلًا:
"وامتلأت نفس محمد [- صلى الله عليه وسلم -] حزنًا، أمام هذه المآسي التي كان يتحملها ضعاف المسلمين الذين لا يجدون من يحميهم. حقًا إن شجاعة المعذبين والشهداء في سبيل الله برهنت على إسلامهم العميق، ولكنه رأى أن من الخير ألا يستمر هذا البلاء، فنصح الضعفاء ومن لم تدعهم الضرورة إلى البقاء في مكة بالهجرة إلى الحبشة حيث المسيحيون، وحيث التسامح والعدل اللذان اشتهر بهما ملكها النجاشي" [3] .
وهو ملك نصراني صالح، لا يُظلم عنده أحد. فأقام المهاجرون عند النجاشي على أحسن حال، فبلغ ذلك قريشًا فأرسلوا وفدًا، ليكيدوهم عند النجاشي، وليخرجهم النجاشي خارج أرضه إلى المشركين فرجعوا خائبين. وأسلم النجاشي على يد رئيس الوفد الإسلامي الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب، بعدما قرأ على النجاشي آيات بينات من سورة مريم. وظلَّ المهاجرون عند النجاشي ينشر عليهم ظله وحمايته حتى رجعوا إلى المدينة المنورة سنة سبع للهجرة.
سادسًا: الحصار وعام الحزن:
اشتد أذى المشركين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فحصروه وأهل بيته في شِعب (وهو مكان بين جبلين في مكة يشبه السجن المفتوح) عُرف بشعب أبي طالب، وسُجن النبي - صلى الله عليه وسلم - مدة ثلاث سنين، حتى بلغهم الجوع و الجهد وسُمع أصوات صبيانهم بالبكاء من وراء الشِعب، و بدأ حبس محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في هلال المحرم سنة سبع من البعثة وخرج من الحصار وله تسع وأربعون سنة، وبعد ذلك بأشهر مات عمه أبو طالب، ثم ماتت خديجة بعد ذلك بيسير، فاشتد أذى الكفار له، وتطاولوا عليه.
(1) انظر: صفي الرحمن المباركفوري: الرحيق المختوم، ص 71
(2) باحث فرنسي، أشهر إسلامه عام 1927 م وتسمى بناصر الدين، وكان شديد الهجوم على المستشرقين المعادين للإسلام، ومن آثاره:"الشرق كما يراه الغرب"، و"أشعة خاصة بنور الاسلام"، و"محمد رسول الله".
(3) آتيين دينيه: محمد رسول الله، ص 145