الصفحة 6 من 7

حاول الشيعة طمس كل فضيلة ومنقبه للفاروق، ولكنهم في بضع الأحيان عجزوا عن ذلك لأن الحقائق أقوى من تمرير باطلهم، من تلك الحقائق التي استعصت على الشيعة تزويرها قضية زواج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب من الفاروق رضي الله عنهم، إذ كيف يزعمون لأتباع دينهم بأن العداوة مستحكمة بين آل البيت وبين الصحابة وهم يرون هذا التزويج؟

أليس هذا دليل على أن الحاخامات الشيعة يزيفون الحقائق.

وفطن الحاخامات إلى هذه المعضلة فاخترعوا من الروايات المكذوبة ما يبطل ذلك الزواج، فزعموا بان عمر بن الخطاب طلب من علي بن أبي طالب رضي الله عنهما بأن يزّوجه أم كلثوم فرفض، فأرسل عمررضي الله عنه؛ العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه إلى علي رضي الله عنه مهددًا ومتوعدًا بأن ينزع السقاية وزمزم من العباس رضي الله عنه، وبعد ذلك وافق علي رضي الله عنه.

ولكن هل زوّجه ابنته أم كلثوم أم اتفق مع الجن على أن ينتحل جنيه شخصيه أم كلثوم؟ نترك الإجابة للأكاذيب التي سطرتها كتب الدين الشيعي.

عن عمر بن أذينة قال: (قيل لأبي عبد الله [ع] : إن الناس يحتجون علينا ويقولون: إن أمير المؤمنين [ع] زوّج فلانا - يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه - ابنته أم كلثوم، وكان متكئا فجلس وقال:(أيقولون ذلك؟ أن قوما يزعمون ذلك لا يهتدون إلى سواء السبيل، سبحان الله ما كان يقدر أمير المؤمنين [ع] أن يحول بينه وبينها فينقذها؟ كذبوا ولم يكن ما قالوا، إن فلانا خطب إلى علي [ع] بنته أم كلثوم فأبى علي [ع] ، فقال للعباس: والله لئن لم تزوجّني لأنتزعن منك سقاية وزمزم، فأتى العباس عليًا فكلمه، فأبى عليه، فألح العباس، فلما رأي أمير المؤمنين مشقة كلام الرجل على العباس، وأنه سيفعل بالسقاية ما قال، أرسل أمير المؤمنين [ع] إلى جنية من أهل نجران يهودية يقال لها سحيفة بن جريرية، فأمرها فتمثلت في مثال أم كلثوم وحجبت الأبصار عن أم كلثوم وبعث بها إلى الرجل، فلم تزل عنده حتى إنه استراب بها يوما، فقال: ما في الأرض أهل بيت اسحر من بني هاشم، ثم أراد أن يظهر ذلك للناس فقتل وحوت الميراث وانصرفت إلى نجران، وأظهر أمير المؤمنين [ع] أم كلثوم) .

عن زرارة عن أبي عبد الله [ع] في تزويج أم كلثوم: (إن ذلك فرج غصبناه [59] ) .

وعلّق المجلسي على هذه الرواية فقال: (هذه الأخبار لا ينافي ما مرّ من قصة الجنية، لأنها قصة مخيفة أطلعوا عليها خواصهم، ولم يكن يتم الاحتجاج على المخالفين، بل ربما كانوا يتحرزون عن إظهار أمثال تلك الأمور لأكثر الشيعة أيضا، لئلا تقله عقولهم ولئلا يغلو فيهم، فالمعنى غصبناه ظاهرًا وبزعم الناس إن صحت الرواية) . اهـ.

وقال كبير الشيعة الملقب عندهم بـ"المفيد"في جواب المسائل السرورية [60] : (إن الخبر الوارد بتزويج أمير المؤمنين [ع] ابنته من عمر لم يثبت ... ثم إنه لو صحّ لكان له وجهان: أحدهما أن النكاح إنما هو على ظاهر الإسلام الذي هو الشهادتان والصلاة إلى الكعبة والإقرار بجملة الشريعة، وإن كان الأفضل مناحكة من يعتقد الإيمان، ويكره مناكحة من ضمّ إلى ظاهر الإسلام ضلالا يخرجه عن الإيمان، إلا أن الضرورة متى قادت إلى مناكحة الضال مع إظهاره كلمة الإسلام زالت الكراهة من ذلك، وأمير المؤمنين [ع] كان مضطرا إلى مناكحة الرجل، لأنه يهدّد وتواعده، فلم يأمنه على نفسه وشيعته، فأجابه إلى ذلك ضرورة، كما أن الضرورة تشرع إظهار كلمة الكفر ... ) .

قال المرتضى [61] الذي هو ثاني اثنين زورًا على لسان أمير المؤمنين علي رضي الله عنه خطبًا وجمعها في كتاب بعنوان"نهج البلاغة"المنسوب زورًا وبهتانًا إلى علي رضي الله عنه: (على أنه لو لم يجر ما ذكرناه [62] لم يمتنع أن يجوّزه عليه السلام، لأنه كان على ظاهر الإسلام والتمسك بشرائعه وإظهار الإسلام، وهذا حكم يرجع إلى الشرع فيه، وليس مما يخاطره العقول، وقد كان يجوّز أيضًا أن يبيحنا أن ننحك اليهود والنصارى، كما أباحنا عند أكثر المسلمين أن ننكح فيهم، وهذا إذا كان في العقول سائغا فلمرجع في تحليله وتحريمه إلى الشريعة، وفعل أمير المؤمنين [ع] حجة عندنا في الشرع، فلنا أن نجعل ما فعله أصلًا في جواز مناكحة من ذكروه وليس له أن يلزموا على ذلك مناكحة اليهود والنصارى، عبادة الأوثان، لأ، هم إن سألوا عن جوازه في العقل فهو جائز، إن سألوا عنه في الشرع الإجماع يحظره ويمنع منه) . اهـ.

وعلّق المجلسي على كلام الرافضين السابقين فقال [63] : (أقول: بعد إنكار عمر النص الجلي، وظهور نصبه وعداوته لأهل البيت [ع] يشكل القول بجواز مناكحته من غير ضرورة ولا تقية إلا أن يقال بجواز مناكحة كل مرتد عن الإسلام، ولم يقل به أحد من أصحابنا) .

وفي رواية أخرى ذكرها المفضل بن عمر في كتابه"الهفت الشريف" [64] : (قال المفضل: قلت سيدي أريد أن أسألك في شيء يتحدث عنه أهل الكوفة وإنني يا مولاي أستحي أن أسألك عنه. قال: يا مفضل قد علمت ما قد هممت به، وتريد أن تسألني عن تزويج أم كلثوم! قلت: نعم يا مولاي. فقال: اسمع يا مفضل ما أقول وافهم ... إن أصل ذلك كان في الأظلة والأشباح على حسب ما أنا مفسّره لك .. إن عليًا قد ظلم ستّة مرّات، في ستة مرّات فيما يظنون وقيل لستة مرات فيما شبه عليهم، وبقيت له قتلة، بقي له ظلم آخر على التشبيه تأكيد لحجة الأعداء، وما كان الله ليقتل أولياءه. أما سمعت قوله تعالى في قصة عيسى: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} قلت: يا مولاي كيف كان سبب قتله أول مرّة؟ قال الصادق [ع] : كان سبب أول ذلك قابيل وهابيل فقد كان هابيل يومئذ أمير المؤمنين وكان قابيل زافر [65] وهو إبليس الأبالسة. فأتى قابيل إلى هابيل. فقال له: زوجني ابنتك فامتنع عن تزويجه إياه فقال عندئذ قابيل: والله لأقتلنك إن لم تزوجني بها. فلم هم بقتله زوّجه جريرة بنت إبليس، فظن قابيل أنه ابنة هابيل، والله أجلّ وأقدر وأعظم من أن يفعل بأوليائه ذلك، ولكن يفعل ذلك على الظاهر تشبيها لتأكيد الحجة على الأعداء. والمعنى كما أخبرتك، فلم يزل بهما ستة مرّات فلما أن كان في تكرير السادس وولي زافر أرسل إلى أمير المؤمنين يقول: زوّجني ابنتك. فأرسل إليه أمير المؤمنين عليّ سلمان، وقال له: قل له يا سلمان إنك قد عدت إلى ضلالك القديم .. فأتى سلمان إلى زافر، وأخبره ذلك. فلما علما أن سلمان قد اطلع على أمره، اغتاظ وقال له: نعم قد عاد إلى ما ذكرت .. فإما إن يزوجني وإما أن أغور ماء زمزم، وأرفع عن البيت الحرام رسم المقام، أو أقتله. فانصرف سلمان إلى أمير المؤمنين وأخبره. فقال عليّ: احمل إليه هذا الكتاب .. فحمل سلمان إليه الكتاب. فلما نظره حبتر وأدلم أي علم أنه أقبل في سبب، فقال: ما وراءك؟ فقال سلمان: أخبرني أمير المؤمنين أن أعرض عليك هذا الكتاب، قال: زافر: وما هو؟ فأخرج الكتاب وسلمه إياه. فلما فتحه، وجد فيه صورة هابيل ونظر إلى نفسه يعني قابيل. فقال مخاطبًا سلمان: إنما خطبت إليه ابنته لأنه يزعم أنني من نسل الشيطان، ولكن لا بد أن يزوّجني ابنته حتى يظهر كذبه عند الخلق ولا ينجيه إلا التزويج أو القتل. فقال سلمان: أخبره بذلك. وأقبل على أمير المؤمنين وأخبره بكل ما جرى. قال عليّ: قد علمت بكل ما قال، وأنا الآن أزوجه بنته جريرة، كما زوجته قديما واشتبه عليه. ثم إن سلمان انصرف إليه وأخبره بأن أمير المؤمنين قد أجابك إلى كل ما تريد .. فجمع أصحابه وعاهده على ذلك .. ثم أمر أمير المؤمنين سلمان بأن يحمل إليه ابنته جريرة، فأتى بها سلمان إليه فأعمى الله بصره جعل عليه غشاوة فلم يفهم، وتداخله السرور والفرح لذلك ثم قال لسلمان: إني أشكرك في هذا الأمر ولا أقد على مكافأتك. ثم تلا أبو عبد الله: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلا الأذقان فهم مقمحون} . قال: ثم دخل فيه فوجدها على صورة أم كثلوم، فلما أصبح أرسل إلى أصحابه وشياطينه، ليحتج بذلك عندهم .. فلما اجتمعوا إليه هنأوه بتزويجه. فقال زافر: كفانا أمر علي وأصحابه. فإنهم لو كانوا بني أبي كبشة على حق ونحن على باطل، ما زوّجونا كريمتهم. قالوا: صدقت. قال: والله إنهم سحرة كهنة، كذابون وهذه حيلة بينهم. قال سلمان: وبينما هم كذلك دخلت عليهم، فقالوا بأجمعهم: نحن على باطل صاحبك على حق ونحن عنده شياطين خونة، فلم زوجنا ابنته أم كلثوم؟ فقال لهم سلمان هذه الآية: {شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} فلما سمعوا ذلك من سلمان غضبوا عليه، وغضب الثاني [66] غضبًا شديدًا، وهمّوا بي .. فقلت لهم: أتقتلوني في مجلسكم هذا؟ قال المفضل: إن هذا والله هو الأبالسة المحضة على الطغاة اكفرة الفجرة. قال سلمان: لما هموا بي، قال بعضهم لبعض: فما نصنع بهذا العجمي وقد نلت حاجتك؟ فافترقوا وبلغ ما تحدثوا به أمير المؤمنين [ع] فأمر سلمان أن يسر إليهم ويحدثهم بالحقيقة. وما لبس عله من أمر ابنته حتى يكف عن فجوره وتبجحه فيصغر في نفسه ويقل قدره ويموت من العار والحزن، قال سلمان: فأتيته في منزله ولم يكن أحد عنده فقلت له: كيف وجدات زوجتك فقال: إنها موافقة لي، تجنب مخالفتي في السر والعلانية وهي كأنها منّا وفينا. فقال سلمان: نعم إنه منك وإليك وهي ابنتك جريرة، فأدخل عليها، لعلك تعرفها الآن. فلما سمع هذا لم يتمالك عقله. فدخل عليها نظر فيها، فإذا هي ابنته جريرة لم ينكر منها شيئا. فصاح صيحة رجت لها الدار، واغتاظ غيظا شديد. وقال: قد فعلها الساحر ابن أبي طالب. ليست هذه بأول أفعاله، والله لأفعلن وأفعلن. فقال له سلمان: لا تكشف عورتك وتبدي سيرتك وتنفضح في عشيرتك، ومن رأيي ومشورتي لك أن تكتم ذلك. فإن كتمت قال الناس: زوجه ابنته وإن أبديت انكشف للناس أمرك. فقال: كفاني يا سلمان أني متّ غيظا، وسأقبل منك ما تقول، وليقل هذا الساحر ما يقول .. فلا طاقة لي ولأصحابي بسحره، وكتم عن أصحابه قصته خوفا من العار، ومات حتفا وغيظا لا رحمه الله ولا رضي عنه رب العالمين) . اهـ.

ونحن نقول: لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على واضع هذه الرواية السخيفة وعلى من يعتقد صحتها ومن يوردها في كتابه على أنها صحيحة.

ويقول الشيعي نعمة الله الجزائري في كتابه"الأنوار النعمانية" [67] :(وإنما إشكال في تزويج علي [ع] أم كلثوم لعمر بن الخطاب وقد تخلفه لأنه قد ظهرت منه من المناكير وارتد عن الدين ارتدادًا أعظم تمن كل من ارتد، حتى إنه وردت في روايات الخاصة أن الشيطان يغل بسبعين غلا من حديد جهنم ويساق إلى المحضر فنظر ويرى رجلا أماه تقوده ملائكة العذاب وفي عنقه مائة وعشرون غلا من أغلال جهنم، فيدنو الشيطان إليه يقول: ما فعل الشقي حتى زاد عليّ في العذاب وأنا أغويت الخلق وأوردتهم موارد الهلاك؟ فيقول عمر للشيطان: ما فعلت من شيء سوى أني غصبت خلافة علي بن أبي طالب [68] . والظاهر أنه قد استقل سبب شقواته ومزيد عذابه، ولم يعلم أن كل ما وقع في الدنيا إلى يوم القيامة من الكفر والنفاق واستيلاء أهل الجور والظلم إنما هو من فعلته هذه 000 فإذا ارتد على هذا النحو من الارتداد فكيف ساغ في الشريعة [69] مناكحته وقد حرّم الله تعالى نكاح أهل الكفر والارتداد واتفق عليه علماء الخاصة. فنقول: قد تقصّى الأصحاب عن هذا بوجهين: عامي وخاصّي: أما الأول: فقد استفاض في أخبارهم عن الصادق [ع] عن هذه المناكحة فقال: إنه أول فرج غصبناه. وتفصيل هذا: أن الخلافة قد كانت أعز على أمير المؤمنين من أولاده والأزواج والأموال [70] ، وذلك لأن بها انتظام الدين وإتمام السنة ورفع الجور وإحياء الحق وموت الباطل، وجميع فوائد الدنيا والآخرة، فإذا لم يقدر على الدفع عن مثل هذا الأمر الجليل الذي ما تمكن من الدفع عنه زمان معاوية وقد بذل عليه الأرواح وسفك فيه المهج، وحتى إنه قتل لأجله ستين ألفا في معركة صفّين وقتل من عسكره عشرون ألفًا، وواقعة الطفوف أشهر من أن يذكر، فإذا قبلنا منه العذر في ترك هذا الأمر الجليل فقد كان معذورًا كما سيأتي الكلام فيه عند ذكر أسباب تقاعده عليه السلام عن الحرب زمان الثلاثة ... والتقية باب فتحه الله سبحانه وتعالى للعباد وأمرهم بارتكابه وألزمهم به كما أوجب عليهم الصلاة والصيام حتى أن ورد عن الأئمة الطاهرين عليهم السلام: لا دين لمن لا تقية له، فقبل عذره عليه السلام في مثل هذا الأمر الجزئي، وذلك أنه قد روى الكليني عن أبن أبي بحمزة عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله [ع] قال: لما خطب إليه، قال أمير المؤمنين [ع] : إنها صبية. قال فلقي العباس فقال له: ما لي أبي بأس، قال: وماذاك؟ قال: خطبت إلى ابن أخيك فردّني، أما والله لأعودن زمزم ولا أدع لكم مكرمة إلا هدمتها ولأقيمن عليه شاهدين بأنه سرق ولأقطعن يمينه. فأتاه العباس وأخبره وسأله أن يجعل الأمر إليه، فجعل إليه.

وأما الشبهة الواردة على هذا وهي: أنه يلزم أن يكون عمر زانيًا في ذلك النكاح وهو مما لا يقبله العقل بالنظر إلى أم كلثوم، الجواب عنها من وجهين:

أحدهما: أن أم كلثوم لا حرج عليها في مثله لا ظاهرًا ولا واقعًا وهو ظاهر، وأما هو فليس بزان في ظاهر الشريعة لأنه دخول ترتب على عقد فإذن الولي الشرعي، وما في الواقع وفي نفس الأمر فعليه عذاب الزنى، بل عذاب كل أهل المساوئ والقبائح.

الثاني: أن الحالة ما آل إلى ما ذكرناه من التقية فيجوز أن يكون قد رضي عليه السلام بتلك المنكحة رفعًا لدخوله في سلك غير الوطء المباح.

وأما الثاني وهو الوجه الخاص: فقد رواه بهاء الدين علي بن عبد الحميد الحسيني النجفي في المجلد الأول من كتابه المسمى بـ"الأنوار المضيئة"قال: قلت لأبي عبد الله [ع] : إن الناس يحتجون علينا أن أمير المؤمنين زوّج فلانا ابنته أم كلثوم، وكان [ع] متكئا فجلس وقال: أتقبلون أن عليا [ع] أنكح فلانا ابنته؟ صم صفق بيده وقال: سبحان الله ما كان أمير المؤمنين [ع] يقدر أن يحول بينه وبينها؟ كذبوا لم يكن ما قالوا، أن فلانا خطب إلى علي [ع] بنته أم كلثوم فأبى، فقال العباس: والله لئن لن يزوجني أنزعن منك السقاية وزمزم، فأتى العباس عليًا [ع] فكلمه، فأبى عليه، فألح عليه العباس، فلما رأى أمير المؤمنين مشقة كلام الرجل على العباس وأنه سيفعل معه ما قال، أرسل إلى جنية من أهل نجران يهودية يقال لها سحيفة بنت جريرية، فأمرها فتمثلت في مثال أم كلثوم وحجبت الأبصار عن أم كلثوم بها، وبعث بها إلى الرجل فلم تزل عنده حتى إنه استراب بها بومًا، وقال: ما في الأرض أهل بيت أسحر من بني هاشم، ثم أراد أن يظهر للناس فقتل، فأخذت الميراث وانصرفت إلى نجران، وأظهر أمير المؤمنين [ع] أم كثلوم. أقول: وعلى هذا فحديث أول فرج غصبناه محمول على التقية والاتقاء من عوام الشيعة كما لا يخفى) .

وذكر الشيعي أبو القاسم الكوفي في كتابه"الاستغاثة في بدع الثلاثة" [71] ، قريبًا من هذا الكلام، وزاد في بعض المواضع، ولولا خشية الإطالة على القرّاء الكرام لنقلنا كلامه بحرفه، ولكن أظن أن ما وأوردناه سابقًا يكفي المسلم بصيرة حول موقف الشيعة من زواج عمر بأم كلثوم رضي الله عنهما.

ورغم كل ذلك إلا إننا نجد صحة ذلك الزواج من واقع كتب الشيعة أنفسهم وأذكر بعض تلك المراجع دون الحاجة إلى النقل: الفروع من الكافي للكليني [72] تهذيب الأحكام للطوسي [73] ، الاستبصار للطوسي [74] ، الشافي للمرتضى [75] ، تنزيه الأنبياء للمرتضى [76] ، ابن شهر آشوب [77] ، ومن شاء الاستزادة فليرجع كتاب"الشيعة وأهل البيت" [78] للعلامة إحسان إلهي ظهير رحمه الله تعالى.

ونختم هذا الفصل ببعض أحقاد الشيعة تجاه من آذل أجدادهم وقضى على دولتهم:

1)روى قيس بن هلال أن ابن ودّ نادى عمر باسمه: يا عمر، فحاد عنه ولاذ بأصحابه، حتى تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله مما داخله من الرعب. وقد قال - أي عمر- لأصحابه الأربعة أصحاب الكتاب الذي تعاهدوا عليه الرأي: أرى والله أن ندفع محمدًا برمته ونسلم.

قال أمير المؤمنين [ع] : إنهم قالوا هذا القول حين جاء العدو من فوقنا ومن تحت أرجلنا كما قال الله تعالى: {زلزلوا زلزالا شديدا ويظنون بالله الظنونا وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} . فقال صاحبه - أي أبا بكر-: لا، ولكن نتخذ صنما عظيما نعبده لأنا لا تأمن أن يظفر ابن أبي كبشة فيكون هلاكنا ولكن يكون ذخرا، فإن ظفرت قريش أظهرنا عبادة هذا الصنم وأعلمناهم أننا لم نفارق ديننا، وإن رجعت دولة ابن أبي كبشة كنا مقيمين على عبادة الصنم سرًا.

فأخبر بها جبرئيل [ع] رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله فخبرني بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله بعد قتل عمرو بن ودّ فدعاهما - يقصد أبا بكر وعمر- فقال: كم صنم عبدتما في الجاهلية؟ فقالا: يا محمد لا تعيّرنا بما في الجاهلية. فقال: كم صنما تعبدان اليوم؟ فقالا: والذي بعثك بالحق نبيا ما نعبد إلا الله منذ أظهرانا لك من دينك ما أظهرنا.

فقال: يا علي خذ هذا السيف ثم انطلق إلى موضع كذا وكذا فاستخرج الصنم الذي يعبدانه فأت به فإن حال بينك وبينه أحد فاضرب عنقه.

فانكبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله يقبلانه ثم قالا: استرنا يسترك الله. فقلت: أنا ضامن لهما من الله ورسوله أن لا يعبدا إلا الله ولا يشركا به شيئا. فعاهدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله على ذلك. وانطلقت حتى استخرجت الصنم من مواضعه ثم انصرفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله، فوالله لقد تبين ذلك في وجوههما.

ولا تعجب من هذا الحديث فإنه قد روى في الأخبار الخاصة - أي الشيعة - أن أبا بكر كان يصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله والصنم معلق في عنقه وسجوده له.

ويوضع هذا المعنى ما ذكره البلاذري [79] وهو من الجمهور في تاريخه قال:(لما قتل الحسين بن علي عليهما السلام كتب عبد الله ابن عمر إلى يزيد بن معاوية: أما بعد فقد عظمت الرزية وجلت المصيبة، وحدث في الإسلام حدث عظيم، ولا يوم كيوم الحسين.

فكتب إليه يزيد: يا أحمق إنا جئنا إلى بيوت منجدة، وفرش ممهدة، ووسائد منضّدة، فقاتلنا عنها، فإن يكن الحق لنا فعن حقنا وإن يكن لغيرنا فأبوك أول من سن هذا وابتزه واستأثر بالحق على أهله.

فبعث إلى عبد الله بن عمر عهدا كتبه أبوه إلى معاوية: هذا عهد من عمر بن الخطاب إلى معاوية بن أبي سفيان: اعلم يا معاوية أن محمدا قد جاء بالإفك والسحر منعنا من اللات والعزّى وحول وجوهنا إلى الكعبة التي يزعم أنها القبلة الإسلامية، فكان هذا من غاية غلوّه وعلوه ومهارته في السحر الذي بهر به على موسى وعيسى وكافة بني إسرائيل، ونحن على الذي كنا قبل ذلك وما تركنا اللات والعزي الهبل. ولما توفى محمد توطأنا مع أربعين رجلا من أهل نحلتنا وشهدنا أنه قال: الأئمة من قريش، وعزلنا عليًا عن الخلافة التي فوضها إليه وجعلها مخصوصة له ثم كتفناه وأخرجناه من بيته وجئنا به إلى أبي بكر وأمرنا الناس ببيعته، وكنا نظاهر بسنة محمد لئلا يهرب الناس عنا، ولكنا في باطن الأمر على الذي كنا قبل ذلك، انتقمنا من أولاده وذراريه على حسب طاقتنا من أولاده وأحفاده ما تصل إليه يدك وقدرتك، ولو لم تقدر على استيصال طائفته خوفا من تنفر الناس وتباعدهم عنك، وخروجهم عليكم فكن في باطن الأمر على دفعهم وإزالتهم عن مقامهم وانحطاط من مراتبهم، ولا تخرج محبة اللات والعزى من قبلك، فإنها طريقنا وطريق آبائنا، وإنا على آثارهم مقتدون) [80] .

2)عن سعد عن رجل! عن أبي عبد الله [ع] في قوله: {وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} [81] قال: (حقيق على الله أن لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من حبهما [82] ) .

وعلق المجلسي على هذه الرواية في بحار الأنوار [83] : (من حبهما؛ أي حب أبي بكر وعمر، فالمراد بقوله:"لمن يشاء"الشيعة، كما ورد في الأخبار الكثيرة) .

3)عن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو جعفر [ع] : (يا أبا حمزة إنما يعبد الله من عرف الله، وأما من لا يعرف الله كأنما يعبد غيره هكذا ضلالًا. قلت: أصلحك الله وما معرفته الله؟ قال: يصدق الله ويصدق محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله في موالاة علي، والائتمام به وبأئمة الهدى من بعده، والبراءة إلى الله من عدوهم، وكذلك عرفان الله. قال: قلت: أصلحك الله أي شيء إذا عملته أنا استكملت حقيقة الإيمان؟ قال توالي أولياء الله وتعادي أعداء الله وتكون مع الصادقين كما أمرك الله. قال: قلت: ومن أولياء الله؟ قال: أولياء الله محمد رسول الله وعلي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ثم انتهى الأمر إلينا ثم ابني جعفر، وأومأ إلى جعفر وهو جالس، فمن والي هؤلاء فقد والى أولياء الله وكان مع الصادقين كما أمر الله. قلت: ومن أعداء الله أصلحك الله؟ قال: الأوثان الأربعة. قال: قلت: من هم؟ قال: أبو الفصيل ورمع ونعثل ومعاوية ومن دان بدينهم، فمن عادى هؤلاء فقد عادى أعداء الله [84] ) .

قال المجلسي في البحار [85] : (أبو الفصيل أبو بكر لأن الفصيل والبكر متقاربان في المعنى، ورمع مقلوب عمر، ونعثل هو عثمان كما صرّح به في كتب اللغة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت