فهرس الكتاب

الصفحة 369 من 596

وأمّا الصدق في شخصِ الرسُول - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به من رسالة فهو لا يقف عند صدق القول والخبر، وإنّما يتّسع ليشمل حياة الإنسان كلّها، فهو يشمل صِدقَ الفعل ليتطابق مع النيّة والقصد، وصدق الرغبة فيما عند اللهِ لتقع الأعمال خالصة لله، لا تشوبُها شائبة، وصدق العزيمة في الوقوف مع الحقّ، ونصرته وتأييدِه، فلا يقف في وجهها عائق، وصِدقَ الحَالِ، فلا تصدّه الدعاوى الملبِّسة ..

ولقد كان أشدّ ما اغتمّ له الرسول - صلى الله عليه وسلم - تكذيب المشركين له، ومن ثمّ فقد جاء تخفيف القرآن عنه بأنّهم لا يكذّبونه حقيقة، وإنّما هم يجحدون بآيات الله، ويستنكرون وقوعها، يقول الله تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) } الأنعام.

ولقد شهدت قريش بإجماع رجالها وعقلائها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأمانة قبل نبوّته وشهد له القرآن الكريم بالخلق العظيم بعد رسالته، ولا بدّ من نظرة إلى شهادة قريش من زاويتين:

ـ الزاوية الأولى: من زاوية الدافع إلى هذه الشهادة وقيمتها؛ فلا بدّ أن الأمانة التي تحلّى بها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كانت ظاهرة محلّ بروز وتألّق وتميّز، في شخصيّته - صلى الله عليه وسلم - وسلوكه، بصورة جذبت أنظار المراقبين، ولفتت انتباه المجتمع من حوله، وانتزعت منهم شدّة إعجابهم، كما كانت تعبيرًا عن اجتماع حقائقها، وتآلف معانيها، لتكون حقيقة كبرى، تنتظم من خلالها شخصيّة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بصورة معجزة إنسانيّة، لم يسبق لها مثيل، كلّ ذلك كان في بيئة، لم تكن بيئة علم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت