وقد أشار عدد من الصحابة بأن يبقوا داخل المدينة، فإن دخلت قريش عليهم قاتلوهم في الأزقة، ورموهم من فوق الصياصي والآطام، وقد كانت المدينة شبه محصنة، وكان هذا رأي كبار الصحابة، وهو رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه لم يعزم عليهم.
ولذلك قال بعض الفتيان ممن لم يشهدوا بدرا، وكانوا يتشوقون للجهاد ليبلوا كما أبلى أصحاب بدر، حيث إنهم لم يشهدوها، فقد قال هؤلاء: اخرج بنا إلى عدونا، وأيدهم بعض كبار الصحابة كحمزة، وسعد بن عبادة، والنعمان بن ثعلبة، وغيرهم.
وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي هؤلاء، وعندما لبس لامته ودرعه، خشي أولئك أنهم استكرهوه، فعادوا إلى رأيه، فأبى صلى الله عليه وسلم بعد أن عزم على الخروج، فخرج [1] .
مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في قصة الإفك وغزوة الخندق
5 -إستشارة الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد في قصة الإفك، وبخاصة ما يتعلق بعائشة -رضي الله عنهم أجمعين--. فأما أسامة فأثنى خيرا، ثم قال: يا رسول الله، أهلك ولا نعلم منهم إلا خيرا. وأما علي فقال: يا رسول الله، إن النساء لكثير، وسل الجارية فإنها تصدقك. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة يسألها ... الحديث [2] .
6 -وفي غزوة الخندق كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح بينه وبين عيينة بن حصن على ثلث ثمار المدينة على ألا يقاتلوا مع الأحزاب، وقبل إكمال إجراءات العقد والإشهاد عليه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة وسعد بن معاذ يستشيرهما في ذلك، فقالا: أمرا تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا؟ قال: لا، بل شيء أصنعه لكم،
(1) - ورد هذا الحديث بطرق وروايات متعددة، وقد حققها الألباني وحكم بصحة الحديث، ومن أراد تفصيل ذلك فليرجع إلى فقه السيرة للغزالي، بتخريج الألباني ص 169.
(2) - انظر: تفسير ابن كثير 3/ 269، وهذا الحديث صحيح رواه البخاري ومسلم وغيرهما وانظر: فقه السيرة ص 316.