لقد كانوا يعرفون محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - بصفاته وأخباره، وسيرته وأحواله، كما يعرفون أبناءهم، بل إنّ بعضهم صرّح واعترف أنّه يعرف محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - أكثر ممّا يعرف ولده .. ولكنّ الحقّ يأبى أن تحجبه غشاوات الظلمات، ونور الفطرة يستعصي على أن تجتاحه فتن الشهوات، فمهما تواطأ الطغاة على محاربة الحقّ والمكر به، فلابدّ أن يخترق نوره بعض النفوس، لتحطّم ترّهات الباطل وطغيانه ..
فكان من هؤلاء: الحبرُ عبدُ الله بنُ سلام - رضي الله عنه - [1] ، الذي لم يتلبّث كثيرًا، ولم يتلجلج .. وكان أسرع يهود إلى اختراق حجب الباطل، واعتناق نور الحقّ .. وكان له في إسلامه موقف فاضح لأخلاقيّات اليهود وطبائعهم ..
وإذا كانت الأخلاق النبويّة معلمًا من أعظم معالم هداية الخلق إلى دين الله تعالى، فقد أثبتت من جهة شهادة الحقّ سبحانه لنبيّه - صلى الله عليه وسلم: {وإنّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيْمٍ (4) } القلم، وهي أرفع شهادة ينالها بشر وأعلاها، كما دلّلت من جهة أخرى على أنّ الإسلام دين الفطرة، فالفطرة السويّة تحبّ مكارم الأخلاق، وتنفر من سيّئها،
(1) ـ ينظر تفصيل خبر إسلامه - رضي الله عنه - في السيرة النبويّة لابن هشام 1/ 516/.