ما يشاع حول بعض الكبراء والعظماء، والأحداث الكبار، والمشاريع الضخمة الغابرة أو المعاصرة؛ فيبالغ الناس في وصف هذه الأمور مع اختلاف مقاصد هؤلاء المخبرين المبالغين، فمنهم من يقصد الكذب والدجل، لأمر يريد الوصول إليه، فهو يبالغ ليصنع شخصية أسطورية تجاه هذا الشخص الذي بالغ في وصفه، ولربما بالغ لسبب آخر وهو مرتبط بالسبب الذي قبله، وهو أنه رأى من هذا الشخص شيئًا استعظمه، فبالغ في مدحه وذكره والثناء عليه، وكثير من الناس لا يستطيعون أن يزنوا أنفسهم بالميزان الصحيح، فهو إما أن يبالغ في المدح، وإما أن يبالغ في الذم.
واسمع كلام الناس في شيوخهم ولا أضر على طالب العلم من تلامذته إن لم يتبصر في حاله وفي ضعفه، وفي عجزه وفي مسكنته وفي جهله، فإن من عرف الله -عز وجل- وعرف نفسه فإنه لا يضره قول القائلين لا يعبأ بهم ولا بكلامهم، (رحم الله امرئ عرف قدر نفسه) .
أما طالب العلم الذي يقبل ما يقال فيه فهذا يجتمع حوله جماهير من البسطاء يعظمونه ويضخمون أمره، وينسجون حوله الأساطير والأكاذيب، ويبالغون في القول بمدحه، كم سمعنا في المجالس من إعطاء أشخاص أوصافًا ليست حقيقة، حضرت مجلسًا فإذا شخص من البسطاء يذكر أحد طلبه العلم في مجلس عامر بالشيوخ، والمتحدث هو أصغرهم، يذكر طالب العلم ويثني عليه من غير أن يسميه وذكر عنه أشياء كثيرة جدًا، ومما ذكر -فيما أحفظه في هذه الساعة- أنه قال: يحفظ الكتب الستة بالأسانيد مع ترجمة رجال كل إسناد، وكنت قد عرفت من يقصد، ولما قال هذه الجملة اختلطت الأوراق والتصورات في ذهني فذهبت اضرب يمينًا وشمالًا أضرب أخماس في أسداس من يقصد هذا الإنسان؟ لا يمكن أن يقصد الشخص الذي ظننت أنه يتحدث عنه، ثم بعد ذلك سألته من تعني؟ قال فلان، قلت: فلان الفلاني الذي كان بالمكان الفلاني ودرس في المكان الفلاني؟ قال: نعم فازددت عجبًا، لا أعرف أنه يحفظ هذه الأشياء.