بسم الله الرحمن الرحيم
المبالغون
للشيخ د/ خالد بن عثمان السبت
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فحديثنا معكم في هذه الليلة -إن شاء الله- عن موضوع نحتاج إليه حينما نقرأ، ونحتاج إليه حينما نسمع ونحتاج إليه حينما نتكلم، وهذا الموضوع عن مشكلة نفسية واجتماعية هي مشكلة مزمنة توجد في الكتب وفي كلام المتكلمين، وتوجد في نفوس الكثيرين من المسلمين ومن غير المسلمين، وهذه المشكلة هي (المبالغات) فيما نصف به الأشياء، وفيما ننقل من الأخبار، وفي المدح والذم، وفي الإخبار المجرد.
هذه مشكلة مدمرة، وأثارها سيئة فقد يدخل الإنسان في أبواب الخرافة بسبب تهيئه لقبول مثل هذه المبالغات حينما يفتح سمعه وقلبه على مصراعيه لتلقي ذلك دون رقيب ولا حسيب، ودون النظر في صحة ما يسمع وما يتلقى، فكم من انتصارات وكم هزائم وقعت بسبب المبالغات، فحينما تضخم قوة العدو وتجعل حوله هالة عظيمة، ويصور على أنه قوة لا يمكن أن تقهر؛ عند ذلك تنهزم النفوس وتنكسر دون طلب هزيمته وقهره ودحره، وكم من عدو بقي شامخًا رافعًا أنفه يتطاول على الآخرين ويفعل ما يشاء دون حسيب ولا رقيب، وذلك أنه جعل حول نفسه هالة إعلامية ضخمة صور من نفسه أنه القوة التي لا يمكن أن تدحر، وأنه القوة التي لا يمكن أن تقهر، وكم من أناس قد انهزموا؛ لأنهم قد بعثوا رسولًا لا يصلح أن يأتي بالأخبار، فبالغ في تصوير العدو وفي تضخيم صورته، أو رضوا من الغنيمة بالإياب، وكم من عدو صور بصورة ضخمة، وجعل حوله هالة عظيمة كأنه قوة لا يمكن قهرها فرضي الناس بكل حل يمكن أن يدمر هذه القوة، وصارت نفوسهم مهيأة لجميع الأطروحات، وألغوا أفكارهم وعقولهم، وصار همهم الوحيد هو قهر ودحر هذا العدو الذي صور لهم بصورة هي أضعاف أضعاف ما يتمتع به في أرض الواقع من القوة الحقيقة.