سكنت في البطون، فلما جاء الصيف خرجت الحرارة إلى ظاهر الجسد وغارت البرودة فيه، فإذا جاء الخريف اعتدل الزمان وصفا الهواء وبرد فانكسر ذلك السموم، وجعله الله بحكمته برزخا بين سموم الصيف وبرد الشتاء. انتهى كلامه - رحمه الله -.
ولشيخ ابن القيم، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - كلام نفيس كان يتحدث فيه - رحمه الله - على هروب الشيء من ضده، وأن كثيرًا من الأشياء يمكن أن تقاوم بأضدادها، وهذه قاعدة مهمة يحتاجها الجميع عامة والمصلحون خاصة، فمَثّل لقاعدته بكلام يناسب موضوعنا فقال - رحمه الله: ويسخن جوف الإنسان في الشتاء، ويبرد في الصيف؛ لأنه في الشتاء يكون الهواء باردا فيبرد ظاهر البدن فتهرب الحرارة إلى باطن البدن؛ لأن الضد يهرب من الضد، والشبيه ينجذب إلى شبيهه، فتظهر البرودة إلى الظاهر، ولهذا يسخن جوف الأرض في الشتاء وجوف الحيوان كله، وتبرد الأجواف في الصيف لسخونة الظواهر فتهرب البرودة إلى الأجواف". انتهى كلامه - رحمه الله -. فإذا عرفت بأن الضد يهرب من الضد، والشبيه ينجذب إلى شبيهه، أدركت وعرفت بأنه لا طريق للتخلص من رقّ المعصية إلاّ بضدها وهي الطاعة، وأنه إذا ارتاحت نفسك بالجلوس مع العصاة، فهذا من انجذاب الشبيه إلى شبيهه، والله المستعان."
أيها المسلمون: لقد جاءت السنة بالإبراد بصلاة الظهر في حر الصيف تخفيفًا على الناس فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) . رواه البخاري. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -ذا اشتد البرد بكّر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة. عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر فقال - صلى الله عليه وسلم: (أبرد، ثم أراد أن يؤذن فقال له: أبرد، حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي - صلى الله عليه